هو بما ينزل به الآن . فمن يقتل أمّه يبعث امرأة فيقتله ولده ، ومن يغتصب امرأة يصبح امرأة حتّى يغتصب بدوره . / ومن ثمّ ما لا مردّ له وهو القضاء الّذي عرفناه بكشف ربّانيّ ؛ فنظام العالم الكلّيّ هو القضاء حقّا والحقّ بالذّات والحكمة العجيبة . وإن كنّا نشاهد ما نشاهده في العالم ، وجب علينا أن نتبيّن ذلك النّظام الدّائم الممتدّ إلى الأشياء كلّها وكيف أنّه بحيث يمتدّ إلى كلّ شيء مهما كان صغيرا حقيرا . / إنّه للفنّ العجيب المنتشر ليس في عالم الرّبّانيّات فقط ، بل في عالم تلك الأشياء الّتي نظنّ أيضا أنّ العناية تنظر إليها بشيء من الاحتقار . ثمّ إنّه ما أعظمه من فنّ يأتي بالمعجزات على اختلاف وجوهها تجده في عالم الحيوان مهما يكن جنسه ويشمل بنفوذه عالم النّبات بما فيه حيث البهيّ المنظر بثماره وأوراقه والسّريع الازدهار بأزهاره واللين الممشوق والمتنوّع الألوان . / هذا مع العلم أنّ كلّ ذلك ليس من صانع يعمل دفعة واحدة ثمّ يكفّ عن العمل ، بل إنّه وليد صنع يتجدّد دائما ما دامت العلويّات تتحرّك ولا تبقى على وضع واحد في ما يقابلها من هذا العالم . فلا يتغيّر عن طريق الاتّفاق ما يتغيّر ويظهر بالهيئات المختلفة ، إنّما تتمّ هذه التّبدّلات وفقا لمقاييس الحسن ولما يليق بالقوى الرّبّانيّة أن تفعل أفعالها . والأمر الرّبّانيّ لا يفعل فعله إلّا وفقا لما فطر عليه ؛ وهو مفطور على أن يكون منسجما مع ما هو عليه في / حقيقته ؛ ثمّ إنّ حقيقته هي الّتي تجعله مصحوبا دائما بالحسن والحقّ في أعماله . وإن لم يكن الحسن والحقّ في عالم الملكوت ، فأين عسى أن يكون ؟
14 إنّ النّظام الكونيّ إذا قائم وفقا لما يقتضيه الرّوح بحيث إنّه بدون تفكير ، وهو أيضا بحيث أنّا لو استطعنا أن نعمد إلى التّفكير لأخذنا العجب من أنّ التّفكير ليس يجد نوعا آخر من الصّنع . هذا علاوة على أنّ ذلك النّظام ، حتّى في الحقائق الجزئيّة ، ما دامت لن تزال تحدث ، إنّما يدرك وهو بحيث أنّه شيء أقرب إلى الرّوح منه إلى نظام يتمّ عن طريق التّفكير . / أمّا فيما يختصّ بالأجناس جنسا جنسا ، فليس من الصّواب أن نعيب على العقل الصّانع كونها حادثة ضن الصّيرورة في تقلّب مستمرّ . وإذا فعلنا ، فذلك لاعتقادنا بأنّه ينبغي للجزئيّ الحادث أن يكون على مثل ما تكون عليه الأمور غير الحادثة ، ( أعني من عالم الرّوحانيّات الأمور القديمة ومن عالم المحسوسات ما ظلّ باقيا هو هو ) . وهذا يقتضي حظّا أوفر من الخير يزاد على ما هو حاضر ، / ويعني أنّا نرى أنّ الأصل المثالي الّذي قسّم لكلّ جزئيّ ليس كافيا ، كأن نقول مثلا أنّه ليس لهذا الحيوان قرون . فلا مجال حينئذ إلى الظّنّ بأنّه يستحيل على العقل الّا يتناول الأشياء كلّها ، وأنّه يجب مع ذلك في الأصغر أن يكون في الأكبر وفي الأجزاء أن تكون في الكلّ ومن المحال أن تغدو مساوية له ، وإلّا لما كانت هي الأجزاء . ذلك لأنّ الكلّ هو الأشياء كلّها في العالم الأعلى ، أمّا هنا فليس كلّ / جزئيّ الأشياء كلّها . وها هو ذا الإنسان : فإنّ الإنسان الجزئيّ
تاسوعات أفلوطين — صفحة 210
مساهمون: أفلوطين
ص٢١٠