ذاتها ونتساءل عن سبب وجود تلك المتنافرات في « البنى البذرية » . وتقابلنا هنا نسب الألحان التي تجعل الصّوت الضّخم والصّوت الحادّ يتآلفان في إيقاع واحد . وما دامت تلك النّسب أسس التآلف في الأنغام ، فإنّني أعني بهذا « الإيقاع الواحد » إيقاعا معيّنا هو أسّ تناسبيّ آخر زاد واتّسع حتّى أصبحت الأسس الأولى منه ألحانه الفرعيّة وأجزاءه . وإذا صحّ ذلك ، فإنّنا نشاهد في العالم الكلّيّ أيضا المتقابلات ، مثل الأبيض / والأسود ، والحارّ والبارد ، والطّائر وغير الطّائر ، ذي القوائم وما لا قوائم له ؛ النّاطق وغير النّاطق ، وهي جميعا أجزاء الجسم الواحد ، أي الحيوان الكلّيّ . والحيوان الكلّيّ منسجم بعضه مع بعض على كون أجزائه متنافر بعضها مع بعض غالب الأحيان ، وهو مع ذلك وفي جملته وفقا لما يقتضيه العقل . ومن ثمّ فلا بدّ لذلك العقل الواحد من أن يكون عقلا توحّد / من تناسق المتقابلات فيه ، بمعنى أنّ هذا النّوع من التّقابل بينها هو الّذي يكفل للعقل بنيته بل أيضا حقيقته إذا جاز لنا القول . فلو لم يكن ذا كثرة لما كان كلّا ولما كان عقلا . وما دام عقلا ، فإنّه مع ذاته مخالفا لذاته ؛ والمخالفة إذا كانت على أشدّها أصبحت تقابلا . ومن ثمّ فإن لم يكن من المتخالفات بدّ ، وإن كان العقل هو الّذي يوجدها ، فلا غرو إن أحدث التّخالف وأحدثه على أشدّه ، لا على أضعف / ممّا من شأن التّخالف أن يكون عليه . وإذا انتهى العقل كذلك بالتّخالف إلى أقاصيه أحدث المتقابلات لا محالة ؛ وهو عقل كامل بقدر ما إنّه يجعل ذاته قائما ليس على المتخالفات فقط بل على المتقابلات المتناقضات أيضا .
17 وما دام العقل بحيث أنّه كذلك يعمل بوجه الإطلاق ، فإنّ الأفعال الّتي يفعلها تزداد تناقضا بقدر ما يزداد بعضها عن بعض ابتعادا . فيكون العالم الحسّيّ دون عقله وحدة ، ومن ثمّ فهو أشدّ كثرة ، والتّناقض فيه أوفر ؛ ثمّ إنّ رغبة الجزء منه في الحياة أقوى وشوقه إلى الوحدة أزيد . / ولكم يهلك العاشق في سعيه إلى خيره الخاصّ معشوقه إذا كان هذا المعشوق شيئا قابلا للفساد . فضلا على أنّ رغبة الجزء في أن يتحوّل إلى الكلّ تجعله يسحب إليه ما يستطيع أن يجرّه إليه . ولذلك نجد الأخيار إلى جانب الأشرار مثلما أنّ للرّاقص المتقيّد بالفنّ الواحد مواقف متناقضة ؛ فنميّز فيها بين / الحسن والقبيح ، ونرى أنّ الوضع على حسن الحال دائما في كلي طرفيه . فليس بعد ذلك من رديء ، إلّا أنّنا لا ننفي القول بوجود الأردياء ؛ إنّما ننفي زعم من يزعم أنّ رداءة الأردياء لا تنبعث من الأردياء . ولكن ربّما حكم للأردياء بالسّماح ، أو أنّ العقل هو الّذي يقضي في السّماح لازما أو غير لازم ؛ والعقل لن يقضي / بالسّماح للأردياء . بل إنّ الأحرى بالقول هو أنّه إذا كان لرجل الخير حصّته من العالم ، ولرجل الشّرّ حصّته أيضا وهي الكبرى ، فكذلك هو الأمر أيضا في المأساة . فالشّاعر يوزّع الأدوار على الممثّلين الّذين بين
تاسوعات أفلوطين — صفحة 214
مساهمون: أفلوطين
ص٢١٤