تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
الفنّ الّذي ، إذا كان يرسم حيوانا ، / لا يجعل كلّ شيء عيونا في هذا الحيوان ؛ فكذلك أيضا لم يصنع العقل الأشياء كلّها أربابا ، بل إنّه أخرج من صنعه أربابا وجنّا على أنّهم من المقام الثّاني في الوجود ؛ وآدميّين وحيوانات من بعدهم وما كان ذلك منه بدافع الحسد ، بل بدافع حكمة تنطوي على عالم روحانيّ مختلف الأجناس . أمّا نحن فموقفنا من هذه الأمور كلّها موقف من لا خبرة عندهم بفنّ الرّسم ، يعيبون على الرّسّام عدم انتشار الألوان / الزّاهية في كلّ ناحية من لوحته في حين أنّه جعل لكلّ من تلك النّواحي اللون الملائم لها ؛ ثمّ إنّ المدن لا يتساوى المواطنون فيها حتّى ولو كانت قائمة على نظم لا عيب فيها ؛ وإلّا لأصبح من العيب في المأساة المسرحيّة الّا يكون الجميع فيها أبطالا ، فلا مملوك صعلوك ولا فاحش بذيء ؛ مع أنّ الرّونق فيها يزول إذا جرّدت من هذه الأدوار الدّنيّة / الّتي تخرج بها وافية الشّروط مكتملة . 12 إذا كان العقل إذا ، بعد ائتلافه مع الهيولى ، هو الّذي أحدث تلك الأشياء وهو آنذاك بحيث أنّه في ما كان عليه ، أعني ليس متجانس الأجزاء ، إذ أنّه كذلك خرج ممّا هو قبله ، فإنّك لن تجد عالما يفوق حسنا هذا العالم الّذي تولّد من حيث أنّه كذلك تولّد . فليس من شأن العقل أن يكون كلّا من متجانسات ومتقاربات وهو وجه لو قام عليه لكان عيبا فيه ، / إذ إنّه هو الأشياء كلّها والأجزاء فيه كلّ على حياله مختلفة في أوضاعها . فإذا ساق إلى العالم أمورا أخرى من أصل غريب عنه - ولنفترضها نفوسا - وحاول أن يوفّق بين خلقه وبين الكثير منها فأكرهها على ما يخالف طبائعها وعلى أن تنحطّ من مقامها ، أفيكون على صواب في ما فعل ؟ بل الوجه في القول هو أنّ النّفوس من العقل كالأجزاء ، / فإنّ جعلها تنسجم مع الكلّ لم يحطّ من شأنها بل عيّن لها النّاحية اللائقة بها وفقا لما كانت أهلا له . 13 ثمّ إنّه يجب الّا يرد قول الّذين يذهبون إلى أنّ العقل لا يقصر نظره ، في كلّ آونة ، على الحاضر بل يشمل به المراحل السّابقة وما هو في مستقبل الزّمان . فإنّه إلى ذلك يستند ليرتّب الجزاء بالحقّ ويبدّل الأحوال ، جاعلا من سادة الأطوار السّابقة عبيدا إذا كانوا آنذاك سادة / أشرارا ( فضلا على أنّ لهم في الوضع هذا منفعة ) ، ومحوّلا من أساؤوا في استخدام أموالهم إلى فقراء لا يجدون الكفاف ، مع أنّه ليس في الفقر خير حتّى على الصّالحين . ثمّ إنّ الّذين قتلوا بالظّلم يقتلون هم أيضا بدورهم ، والقتل عند ذاك ظلم من القاتل ولكنّه عدل في حقّ المقتول . وهكذا فإنّ من كان من شأنه أن يصاب بشيء يساق حتما إلى حيث يلتقي / بمن أعدّ ليجري عليه ما ينبغي أن يصاب به . فلا يصبح الرّجل عبدا بحكم ظروف تصادفت ، كما إنّه ليس من اتّفاق القرائن أن يؤسر في الحرب وأن يعاني في جسده أمر الأذى ، بل لأنّه ، فيما مضى ، سبق وأتى
تاسوعات أفلوطين — صفحة 209 | أفلوطين