بحيث أنّ الإنسان مخلوق تمّ له من الحسن بقدر ما يمكن أن يتمّ له منه ، وأنّ له في شبكة العالم الكلّيّ الحصّة العظمى بين حصص الحيوانات كلّها المنتشرة / على وجه الأرض . هذا وإنّه ليس من أحد صاحب ذوق وحكمة ليرى عيبا وجود الحيوانات الأخرى الّتي تأتي بعد الإنسان والّتي تشكّل للأرض زينتها . فإنّه جدير بأن يسخر منه ذلك الّذي يبرّر ذمّه بأنّ تلك الحشرات تلدغ الآدميّين كأنّه من الواجب فيهم أن يقضوا حياتهم نياما . لا بل إنّ وجودها أمر لا بدّ منه ، فبعضها يبدو نفعه واضحا بذاته ، / وبعضها يكون نفعه خفيّا فيكشف الزّمن عن الكثير منه ؛ وليس منها ما يكون وجوده عبثا حتّى بالنّسبة إلى الإنسان . أمّا أن نذمّها لأنّها ، في معظمها ، حيوانات برّيّة ، فهذه لعمري مسخرة ما دام الإنسان نفسه يصبح وحشا برّيّا ؛ فإن لم تكن واثقة من الإنسان بل تقف منه على حذر وتدفع عنها شرّه ، فأين الغرابة في الأمر ؟ / 10 ولكن إذا كان الإنسان مقسورا على الشّرّ ، وهو في الشّرّ عن غير إرادة منه ، فليس الظّالمون مسئولين عن ظلمهم ولا يلقى المظلمون أجرا على ما يقاسونه كأنّهم يقاسونه من تلقاء ذواتهم . وإذا كانت الحتميّة هي الّتي اقتضت إذا أن يصبح النّاس أردياء - سواء كانوا بواسطة الحركة الكلّيّة أو بواسطة الأصل الأوّل وهو يمدّ منه ما يليه بكيانه - فإنّ الأوضاع كلّها ، ما دامت كذلك ، إنّما تجري بحكم الطّبيعة . / ثمّ إذا كان العقل نفسه هو الصّانع فما بال الظّلم لا يكون منه هو أيضا ؟ أجل إنّ الإنسان مسيّر لأنّ الذّنب يتمّ جبرا ؛ غير أنّ هذا لا يبطل كون الإنسان فاعلا هو ذاته من ذاته ، ولأنّه هو الّذي يفعل فعله كان بذلك هو المذنب ؛ وإلّا لما أذنب قطّ لو لم يكن هو ذاته / صاحب الفعل . أمّا الضّرورة فإنّها لا تأتي من الخارج ، بل إنّها موجودة لأنّ النّظام الكلّيّ يقتضي وجود الذّنب . وليست الحركة الكلّيّة أيضا ، على وضع يحول بين كلّ شيء وبين أن يتعلّق بنا ؛ فلو كان كلّ شيء محدّدا من الخارج ، لكان لا يتمّ إلّا بحسب ما أراده صانعوه ؛ ومن ثمّ لن يأتينّ النّاس ، حتّى العصاة منهم ، بمخالفة قطّ للأمور ، ما دامت هذه الأمور من صنع الأرباب . والواقع أنّ تلك المخالفة تحدث ، وهي من الآدميّين . / فإذا ما وضع الأصل لزم التّابع لا محالة ، على أن تؤخذ معا ، للوصول إلى النّتيجة ، كلّ الأمور الّتي تكون أصولا ؛ والآدميّون أيضا هم أصول . فإنّ أقلّ ما يقال فيهم هو أنّهم يقبلون على الخير والحسن بفطرتهم الخاصّة ، وهذا بالذّات عمل أصل يندفع إلى غرضه من تلقاء ذاته .
11 هل يكون الجزئيّ فيما هو عليه بضرورة الطّبيعة وتوالي عللها فيتمّ له بذلك من الحسن ما بوسعه أن يتلقّاه ؟ كلّا ! بل إنّ العقل هو الّذي يفعل كلّ ذلك ، وهو مطلق السّيادة يصنع ما يشاء ، فيحدث هو ذاته ما ندّعيه شرّا لأنّه لا يريد أن يكون كلّ شيء خيرا كما هو الأمر من رجل
تاسوعات أفلوطين — صفحة 208
مساهمون: أفلوطين
ص٢٠٨