من لا يهتمّ بصحّته . ويجب أيضا الّا نمتعض من توافر ثمار الأرض للأردياء إذا انفردوا هم بالحراثة أو كانت حراثتهم أشدّ إتقانا . وبعد فإنّه لعمري من السّخر / أن يتصرّف النّاس في سائر نواحي حياتهم بحسب ما يروقهم هم ، حتّى ولو كان هذا التّصرّف بحيث لا يحظى برضى الأرباب ، ثمّ لا يتوقّعون من الأرباب إلّا النّجاة ، ولو كانوا لا يعلمون قطّ بما يشير إليهم به الأرباب من سبل النّجاة . / فإنّ الموت خير لنا من الحياة وهي على وضع لا ترضى به سنن العالم الكلّيّ . وإذا وقعت المعاكسات بعد ذلك ، وبقينا آمنين سالمين بالرّغم ممّا نحن عليه من جهل وشرّ ، لكان في ذلك إهمال من العناية في ما من شأنها أن تهتمّ به ، إذ إنّها بذلك تتيح السّؤدد للأدنياء . / فإنّ الأردياء يصبحون أصحاب الأمر والنّهي بتخاذل من ينقادون لهم .
والصّواب هو هذا ، لا ما هو على خلافه .
9 ذلك لأنّه يجب في العناية الّا تكون بحيث تصيّرنا بمنزلة العدم ؛ وإذا كانت لعناية هي الأشياء كلّها ، وكانت موجودة هي وحدها ، فليس لشيء قطّ وجود ؛ وبأيّ شيء تكون عناية ؟
فإنّه لا وجود حينذاك إلّا للعالم الرّبّانيّ . والواقع أنّ هذا العالم الرّبّانيّ موجود ؛ وهو يقبل على ما يختلف عنه لا يعدمه بل يكوّن من ذلك الأمر الآخر الّذي يقابله ، كالإنسان مثلا ، / العناية الّتي تكفل له أن يكون حقّا إنسانا ؛ وهذا يعني أنّ ذلك الإنسان يقيّد حياته بقوانين العناية أي أنّه يعمل بما تدلّه عليه قوانينها . فهذه القوانين تدلّ على أنّ للّذين أتوا بالصّالحات حياة صالحة فهي لهم في الدّنيا وهي لهم في الآخرة ؛ وللأشرار عكس ذلك ، أمّا الادّعاء بأنّ الّذين أتوا بالسّيّئات فإنّهم ينالون / نجاتهم من غيرهم في حين أنّهم يهملون أنفسهم فذلك توجيه بطلب لا يجوز .
كما أنّه ليس على الأرباب أن يهملوا حياتهم الخاصّة ويشرفوا على أمور هؤلاء الأشرار أمرا أمرا ، ولا على رجل الصّلاح الّذي يتمتّع بحياة أخرى تفوق فضلا حياة السّيادة في النّاس أن يكون صاحب الأمر فيهم ؛ فإنّهم هم أنفسهم / لم يهتمّوا قطّ بأن يكون للنّاس ساسة فاضلون ، كما أنّهم لا همّ لهم بأن تكون عليهم رئاسة ، بل إنّهم يحسدون من كانوا مفطورين في ذواتهم على الصّلاح ؛ على أنّهم لو كانوا قد نصبوا هؤلاء الأفاضل ساسة على النّاس لكان عدد أهل الفضل قد زاد فيهم . فإن لم يكن الإنسان هو الحيوان الأفضل إذا ، وإن يكن قائما في درجة الوسط الّتي / اختارها ، فإنّ العناية تقبل عليه آنذاك وفي المكان الّذي يحلّ فيه ولا تدعه يهلك ، بل أن يشدّ به دائما إلى العلويّات بطرق شتّى يعمد إليها العالم الرّبّانيّ ليكفل للفضيلة سيادتها على كلّ شيء ، فالجنس البشريّ لا يفقد حينئذ كونه ناطقا ، بل إنّ له نصيبه ، وإن لم يكن حتّى الذّروة ، / من الحكمة والرّوح وإتقان الفنّ والعدل ، على الأقل من ذلك العدل الّذي تقوم عليه علاقات كلّ من النّاس مع الآخرين - فيعتقدون بالّذي ظلم إنما ظلم عن حقّ لأنّه أهل لذلك -
تاسوعات أفلوطين — صفحة 207
مساهمون: أفلوطين
ص٢٠٧