وكيف يصلها حظّها من النّظام ، أو إن لم يتمّ لنا ذلك ، فبأيّ معنى نقول بأنّها ليست على سوء الحال . إنّ الأعضاء العليا في كلّ حيوان ، الوجه والرّأس ، أشدّ من غيرها حسنا ، ولا يساويها في الحسن ما كان من الأعضاء في الوسط وفي جهة تحت . ثمّ إنّ الآدميّين ، في الحيوان الكلّيّ ، في الوسط وفي جهة تحت ، أمّا في جهة فوق فالسّماء مع أربابها ؛ هذا وإنّ معظم العالم إنّما هو من الأرباب / والسّماء كلّها بشكلها الكرويّ ، أمّا الأرض فهي من الكلّ بمثابة المركز وهي من الكواكب بمنزلة كوكب ما فيها . قد يدعو وجود الظّلم بين الآدميين إلى الاستغراب لأنّنا نرى أنّ الآدميّ أشرف ما في العالم الكلّيّ ، زاعمين أن ليس من شيء يفوقه عقلا وحكمة .
فالواقع هو أنّ الآدميّ قائم بين عالم الأرباب وعالم الحيوان ، وهو يميل إلى الطّرفين معا ، فمن الآدميّين من يتشبّهون بالطّرف الأوّل ، ومنهم من يتشبّهون / بالطّرف الآخر ، ومنهم من يستوون بين بين وهم الأكثرون عددا . أمّا الّذين تفشّى فيهم الفساد بحيث أنّهم أصبحوا في جوار الحيوان العديم العقل وفي جوار الوحش ، فإنّهم يجرّون الّذين هم في الوسط ويعنّفون بهم ؛ وقد يكون أهل الوسط يزيدونهم فضلا ، ومع ذلك فإنّهم ينقادون لهم بالرّغم من أنّ هؤلاء الأردياء دونهم شأنا ، وذلك من حيث أنّهم هم أيضا أدنياء وليسوا صالحين كما أنّهم لم يتأهّبوا لردّ الانفعال . / إذا بدا أنّه لو قام صبيان مرّنت بالرّياضة أجسادهم وكانت نفوسهم ، لعدم ترويضها ، دون أجسادهم قوّة ومناعة ، فصارعوا صبيانا غير مروّضين لا في أجسادهم ولا في نفوسهم وصرعوهم ثمّ سلبوهم أطعمتهم وجرّدوهم من ثيابهم النّاعمة ، فهل من شيء غير / الضّحك آنذاك ؟ ألا كيف لا يحقّ لصاحب القانون أن يسمح بأن يعاني هؤلاء تلك المعاملة عقابا على كسلهم واسترخائهم إذ إنّهم دلّوا على ساحات التّمرّن ولكنّهم استسلموا إلى الكسل وإلى الحياة النّاعمة الرّخيّة فما بهم إلّا ويرون أنفسهم قد أصبحوا حملانا مسمنة هانت على الذّئاب فريسة / ؟ أمّا الّذين أتوا بتلك المعاملة فإنّ أدنى عقاب لهم أنّهم تحوّلوا إلى ذئاب وساؤوا حالا في آدميّتهم ؛ ثمّ إنّهم واصلون إلى ما هو نازل بأمثالهم لا محالة ؛ فلن يكون الموت خاتمة لهم وقد أتوا بالسّيّئات هنا ، بل إنّه على أعمالهم الّتي سبقت يترتّب مصير دائم يفترضه العقل وتقتضيه الطّبيعة ، فالشّرّ لأهله والخير لذويه . ولكن ما أبعدنا مع كلّ ذلك عن ميادين الرّياضة / حيث الألعاب الصّبيانيّة . فالواجب أن نتصوّر هؤلاء الصّبيان وقد كبروا وبقوا ، في كلا الطّرفين ، على جهلهم ، فيستلئمون ويتسلّحون ، وناهيك بحسن المشاهدة حينذاك ، ولا حسن ما تشاهده من الّذي يتروّض للمصارعة ؛ فالواقع الآن هو أنّك تجد فريقا لا سلاح لديه ، أمّا المجهّزون بالأسلحة فهم الغالبون . / ولا يجب هنا على اللّه أن يقاتل هو عن الأعزال ؛ فإنّ سنّة المعارك تقضي بوجوب النّجاة لذوي الشّجاعة لا لذوي العبادة ؛ كما إنّه لا يجني ثمار الأرض من كان منصرفا إلى العبادة بل إلى تفقّد الأرض ، ولا يكوننّ صحيح البدن
تاسوعات أفلوطين — صفحة 206
مساهمون: أفلوطين
ص٢٠٦