تستطيع تسخير ما أصبح عديم الصّورة لاستخراج صور أخرى . / والثّابت مطلقا هو أنّ الشّرّ حرمان من الخير ؛ ثمّ إنّ في هذا العالم حرمانا من الخير لا محالة ، لأنّ الخير هنا يكون في ما يختلف عنه . وما دام هذا الشّيء الآخر الّذي حلّ فيه الخير ليس هو الخير ، فإنّه هو الّذي يحدث الحرمان ، إذ إنّه ليس خيرا . ولذلك قيل إنّ الشّرّ لن يزول ، / لأنّ الأمور إذا قابلناها بطبيعة الخير وجدنا بعضها تابعا لبعض ، ثمّ إنّها ليست الخير لأنّها تستمدّ علّة كيانها من الخير في الملأ الأعلى ، فأصبحت كذلك بسبب بعدها عن الخير .
6 أمّا الحياد عن الحقّ بأن ينال الصّالحون الشّرّ والأردياء ما يقابله ، فالقول الصّواب فيه هو أنّ شيئا لن يكون قطّ شرّا للصّالح ، وأنّ شيئا لن يكون قطّ خيرا للرّديء ؛ ولكن لما ذا يصل الصّالح ما يخالف الطبع ، والرّديء ما يوافقه ؟ أين القسمة بالعدل في ذلك ؟ إذا كان ما يوافق الطّبع / لا يزيد شيئا في السّعادة ، وما ينافيه لا يزيل قطّ شرّا عن الأردياء ، فما الفرق بين هذا وذاك ؟ إنّه لعمري كالفرق بين أن يكون الرّديء حسن الهيئة ، وأن يكون الصّالح قبيح الوجه .
ومع أنّ اللياقة تقتضي مع ذلك أن يكون الوضع على ما وصفنا ، وهذا ما يستسيغ العقل ويرضى به الحقّ ، وأنّ ما لدينا الآن على خلاف ما نتوقّعه من عناية فائقة . / فوجود العبيد من ناحية والسّادة من النّاحية الأخرى ، وكون الأشرار أصحاب الأمر في البلاد والأخيار عبيدا لهم ، ليس في كلّ ذلك حكمة ولو كان لا يزيد شيئا على ما لدينا من خير أو من شرّ . وما أعظم ما يرتكبه الرّديء من معصيات إذا ساد ؛ وإذا تمّ له الفوز في الحرب ، / ما أقبح ما يعامل به أسراه . وإنّ كلّ هذه الأمور لتجعلنا نتساءل حائرين في أنّها كيف تقع لو كان للعناية وجود . وإذا كان من الواجب أن يركّز الانتباه على الجملة في العمل الّذي من شأنه أن يتمّ مهما يكن نوعه ، فالصّواب يقتضي أيضا أن تنظّم الأجزاء وفقا لما يلائمها ، لا سيّما فيما إذا كان الجزء منها ذا نفس أو حياة / أو كان ناطقا فتستدرك العناية الأشياء كلّها ويكون عملها بالذّات الّا تهمل قطّ شيئا . فإن كنّا ندّعي إذا أنّ هذا العالم الكلّيّ بالرّوح يرتبط ، وأنّ نفوذ الرّوح يتناول الأشياء كلّها ، فلا بدّ لنا من أن نحاول أن نتبيّن النّاحية الّتي منها تكون الأجزاء فيه على حسن الحال . /
7 وأوّل ما ينبغي أن نتنبّه إليه هو أنّ ما نسمّيه « حسن الحال » ، إذا طلبناه في المزيج ، يجب الّا تقتضيه بقدر ما هو « حسن الحال » في غير المزيج ، فلا نطلب الأصول في الفروع بل الوجه ، ما دامت الفروع مع الجسم ، أن نسلّم بأنّ شيئا من الجسم يتسرّب إلى الكلّ ، وأن نطالب من العقل والحكمة بالقدر / الّذي يستطيع المزيج أن يتلقّى منهما ، مع الافتراض بأنّ هذا القدر موجود كلّه لا نقصان فيه . مثل ذلك مثل ما يكون فينا فيما لو نظرنا إلى الإنسان المدرك
تاسوعات أفلوطين — صفحة 204
مساهمون: أفلوطين
ص٢٠٤