الفوضى ولوجود الشّرع والعقل ، وهما معا عقل ، / كان الشّذوذ والجهل ؛ لا بمعنى أنّ الدنيّ يخرج من الأفضل بل بمعنى أنّ ما هو مفتقر إلى أن يتلقّى الأفضل يعجز عن إدراكه لأمر في فطرته أو لظروف تقع أو لموانع أخرى غير ذلك . فإنّ ما يقوم على نظام مفروض قد يفوته هذا النّظام إمّا لسبب كامن في ذاته هو وإمّا لسبب آخر يكون من شيء آخر ؛ وكثيرا ما يعاني السّوء من الأشياء الأخرى ، على غير قصد منها إذ إنّها حينذاك ساعية / إلى غرض يختلف عمّا كان منها . ثمّ ما له حركته بذاته من تلقاء ذاته ، فإنّه يميل تارة إلى الخير وطورا إلى الشّرّ . أمّا الأصل الذي ينشأ عنه الميل إلى الشّرّ فليس في البحث عنه كبير أهمّيّة ؛ ومهما يكن من أمر فإنّ الميل يكون ضعيفا في أوّله ، ثمّ يقوى ويشتدّ فتزداد المعاصي بذلك كمّا وكيفا ؛ / هذا وإنّ الجسد حاضر ومعه الشّهوة لا محالة ؛ وإذا ما أهمل ذلك الميل في بدايته وفي حال حدوثه ولم يستدرك على الفور أحدث العادة المعتمدة في ما كان منّا مجرّد زلّة وهفوة . ولا غرو أن تكون عاقبة ذلك العقاب ؛ وليس من الظلم أن يقع برجل أصبح على هذه الحالة ما يترتّب على الحالة الّتي صار إليها ، / وينبغي الّا نطالب بضمان السّعادة لهؤلاء الّذين لم يأتوا بما يؤهّلهم لها . فإنّ السّعادة للصّالحين فقط ؛ ولذلك تمّت السّعادة للأرباب .
5 إذا كان إذا للنّفوس السّعيدة مقام حتّى في هذا العالم ، وإذا لم تتمّ السّعادة لبعض النّفوس ، فإنّ اللوم في ذلك لا يقع على المكان ، بل على العجز في تلك النّفوس وهي لا تقوى على الجهاد الصّادق الّذي فيه تعرض للفضيلة مكافأتها . وبعد ، فأين الغرابة إذا لم يصبح ربّانيّا من لم يكن صاحب حياة ربّانيّة / ؟ أمّا الفقر والمرض فإنّهما لا شيء عند أهل الخير ، وإنّ فيهما الخير لأهل الشّرّ ؛ ثمّ إنّ المرض من ضروريّات الطّبيعة في ذوي الأجسام . علاوة على أنّه ليس من الصّحيح على وجه الإطلاق أنّ لا نفع من هذه الأمور فيما يتعلّق بنظام الكلّ واكتماله .
فكما أنّه ، إذا فسد شيء عمد العقل الكليّ إلى ما فسد واتّخذه أداة لتوليد / شيء آخر - إذ ليس من شيء ينجو من قبضة هذا العقل - فكذلك الجسد إذا أصابه سوء حتّى ضعفت النّفس لما ينالها منه ، خضع ما نزل به المرض والسّوء لوضع آخر ولنظام آخر . ثمّ إنّ بعض هذه الشّرور تكون لصالح من تصيبهم ، / كالفقر والمرض مثلا ؛ أمّا الرّذيلة ، فإنّ فيها نفعا للعالم الكلّيّ بكونها تمثيلا للعقاب ، فضلا على أنّها ، بحدّ ذاتها ، تؤدّي خدمات أخرى كثيرة . فإنّها تجعلنا في تنبّه دائم ، وتوقظ عندنا الرّوح والذّهن في مقاومتها لطرق الرّداءة ؛ كما إنّها تمكّننا من أن نرى ما أحسن الفضيلة في مقابل الشّرور الّتي يصاب بها الأردياء . نعم ، لم توجد الشّرور لأجل / كلّ هذا الّذي سبق ذكره ؛ بل إنّ العالم الكلّيّ يسخّرها لحاجاته ما دامت موجودة ، لقد قيل هذا في حينه . فإنّ القوّة قوّة حقّا بأن تقدر على حسن استخدام الشّرّ ، وبأن تكون بحيث
تاسوعات أفلوطين — صفحة 203
مساهمون: أفلوطين
ص٢٠٣