وبحكمة حول / ذاته أبدا ، إذ ليس من شيء خارج عنها لتطلبه . كلّ الأشياء الّتي انطوى عليها ترغب بالخير ، فيدرك منها كلّ منها ما في وسعه أن يدرك ؛ فإنّ السّماء كلّها معلّقة بذلك الإله ، ونفسي كلّها ، والأرباب القائمون في أجزائي ، والأحياء كلّها والنّبات بما فيه ، وما قد / يبدو على أنّه لا نفس له فيّ ، وكلّ ذلك ، منه ما قسم له الوجود فقط ، فيما نرى ، ومنه ما أمدّ بالحياة ، ومنه ما أقيم في ما هو أفضل فكان له الادراك ، ومنه ما حصل على العقل ، ومنه أخيرا ما تمّت له الحياة بكاملها . فلا يجب أن يطلب من هذه الأشياء غير المتساوية أمورا متساوية ؛ فليس للإصبع أن يرى ، بل هذا أمر يعود إلى العين ، أمّا الأصبع فلها أمر آخر وهو ، لعمري ، أن يكون الأصبع موجودا وأن يكون / حاصلا على ما هو من شأنه .
4 إنّ الماء يطفى النّار ، والنّار تتلف شيئا آخر ، فلا تستغربنّ ذلك . فإنّ ما ساق النّار إلى الوجود إنّما هو شيء يختلف عنها ، وما دامت لا وجود لها من ذاتها فإنّ غيرها يتلفها ، كما إنّها جاءت إلى الوجود بفساد غيرها ؛ وإن كان ذلك كذلك فلا خطر عليها من الفساد علاوة على أنّها إذا تلفت / حلّت محلّها نار أخرى . في السّماء المنزّهة عن الجسميّة يبقى كلّ شيء في ما هو عليه . أمّا في سماء هذا العالم فإنّ الكلّ يبقى دائما حيّا ، وكذلك الأمر أيضا من أجزائها الفاضلة الوجيهة ، لكن فيها النّفوس الّتي تبدل أجسادها ولا تزال تخلع هيئة وتتشكّل بهيئة أخرى ، على أنّ كلّ نفس من هذه النّفوس متى استطاعت ، خرجت من خلقة هذا التّحوّل المستمرّ وثبتت مع / النّفس الكلّيّة . أمّا الأجسام فإنّها تحيا أيضا ، وإنّ حياة أفرادها بحسب النّوع ووفقا للكلّيّات ما دامت الأحياء تخرج منها وتتغذّى . ذلك لأنّ الحياة في هذا العالم بالحركة ، أمّا هنالك فبالاستقرار . والوجه أن تخرج الحركة ممّا لا تحرّك فيه ، وأن تخرج من الحياة القائمة في ذاتها مع ذاتها الحياة الأخرى ، فكأنّها نفح الحياة الأولى ، لا تثبت على حال ، / وهي تنفس تلك الحياة الهادئة المطمئنّة . ثمّ إذا عادى بعض الحيوانات بعضه الآخر وأهلكه ، فذلك أمر تقتضيه الطّبيعة ؛ فإنّ الحيوان لا بقاء له ما دام حادثا ، والحيوانات حادثة لأنّ العقل قابض على الهيولى برمّتها منطو على الحيوانات كلّها ما دامت حقّا هنالك في سماء الملأ الأعلى ؛ وما عسى أن يكون الأصل الّذي أتت منه إن لم تكن هنالك ؟ أمّا ظلم بعض الآدميّين لبعض ، / فقد يكون سببه رغبتهم في الخير ، فيعجزون عن إدراكه ، فيكونون في ضلال وينقلب بعضهم على بعض . بيد إنّ للظّالمين عقابهم ، والّذين أفسدت السّيّئات نفوسهم إنّما يجعلون في الدركات ؛ فإنّه لن يخرج شيء عمّا ترتّب في سنّة العالم الكلّيّ . / والواقع هو أنّ النّظام لا ينشأ من الفوضى وأنّ الشّرع لا ينشأ من الباطل ، كما يدّعي بعضهم ، بحيث أنّ الأمور الفاضلة تردّ إلى ما هو دونها مقاما . بل إنّ نظاما مفروضا يقتضي أن يكون النّظام موجودا ؛ فلأنّ النّظام نظام كانت
تاسوعات أفلوطين — صفحة 202
مساهمون: أفلوطين
ص٢٠٢