تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
نعم إنّ هذا العالم الكلّيّ / ليس مثل الملأ الأعلى روحا وعقلا ، ولكنّه يشارك ذلك الملأ في الرّوح والعقل . ولذلك كان مفتقرا إلى التّناسب لاجتماع الرّوح والحتميّة فيه ، تجرّه الحتميّة إلى الدّنيّات وإلى ما هو بطلان العقل ما دامت هي خالية من العقل ، على أنّ الرّوح مع ذلك ، لا يزال متغلّبا على / الحتميّة . فإنّما العالم الرّوحانيّ عقل فقط ، ولن تجد عالما آخر يكون عقلا فقط ؛ وإذا كان عالم آخر ، وجب أن يكون بعد الملأ الأعلى مقاما ، ولا يكون عقلا كما أنّه لا يكون هيولى مهما يكن نوعها ، فيغدو شيئا لا تناسق فيه ؛ فالوجه إذا أن يكون مزيجا . على تأليفه يتضافر الهيولى والعقل ؛ ومن ثمّ فإنّ النّفس هي الّتي تكون السّائدة في المزيج ، / ولا يعتقدنّ أحد أنّها يشقّ عليها أن تدبّر هذا العالم الكلّيّ ؛ بل أنّ ذلك الأمر يسهل عليها فكأنّها تقوم به بمجرّد حضورها . 3 هذا وإنّه ليس من الصّواب أن نذمّ عالمنا على أنّه لا حسن فيه أو على أنّه ليس أفضل ما في عالم الأجسام . كما إنّه لا يصحّ لنا أن نشكو من سبب وجوده إذ إنّه أوّلا عالم وجد بالضّرورة عن فكر ورويّة بمعنى أنّ الطّبيعة الفائقة توجد وفقا للطّبيعة ما هو شبيه بها . حتّى أنّه / ولو كان الفكر هو الصّانع ، فلا يخجل ممّا فعل ؛ فإنّه صنع كلّا في غاية الحسن ، مكتفيا بذاته مع ذاته ، عزيزا عليه وعلى أجزائه ، العظيم منها والحقير ، بسبب أنّ بينه وبينها توافقا تامّا . فإنّ استهجان الكلّ بسبب الأجزاء سفاهة ؛ / وإذا اعتبرت الأجزاء وجب أن تعتبر في علاقاتها بالكلّ إن كانت معه في انسجام وتوافق ، أمّا الكلّ فيعتبر في ذاته بصرف النّظر عن أجزاء تكاد تكون لا شأن لها . فإنّ استهجانا من هذا النّوع ليس استهجانا للعالم كلّه بل لبعض أجزائه وقد عزلت عنه ، مثلما يفعل من يقصر نظره من الحيّ كلّه على شعرة فيه أو على إبهام من أباهيمه ويهمل / الإنسان في صورته الكاملة وهو مشهد ربّانيّ ، أو مثلما يفعل ، وأيم الحقّ ، من يقف من عالم الحيوان عند أحقر ما فيه بعد أن يكون قد أعرض عن سواه ، أو أيضا من يغفل الجنس كلّه ، جنس الإنسان مثلا ، ويأتي بذكر الفرد ترسيتوس . فما دام الموجود هو العالم الكلّيّ ، ربّما سمعته ، إذا ملت بوجهك إليه ، يقول لك ما يلي / : لقد صنعني إله ، فمنه أتيت كاملا محمّلا بالأحياء كلّها ، كفوءا لما أنا عليه ، مكتفيا بذاتي مع ذاتي ، غير مفتقر لشيء لأنّ الأشياء كلّها فيّ ، والنّبات والأحياء ، وطبيعة كلّ ما من شأنه أن يتولّد ، وجمهور من الأرباب ، وأمم من الجنّ ، ونفوس صالحة ، وآدميّون بالفضيلة ناعمون . فليس صحيحا أن تكون / الأرض قد زيّنت بالنّبات وبالأحياء كلّها على مختلف أنواعها ، وأن تكون قوّة النّفس قد انتهت حتّى إلى البحر ، ثمّ لا يكون بعد ذلك ، للهواء كلّه وللأثير وللسّماء بأسرها حظّ من النّفس ؛ بل إنّ في السّماء لنفوسا كلّها صالحة ، تمدّ بالحياة الكواكب والسّماء في دورانها المنظّم القديم وهي ، على غرار الرّوح ، تتحرّك دائريّا
تاسوعات أفلوطين — صفحة 201 | أفلوطين