تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
كلّ وجه ، / قائم في السّكينة أينما قابلته وليس من تبديل لديه ، لأنّه ليس فيه ما يؤثّر على غيره . وعلام هذا التّأثير ما دام ليس في شيء منه نقصان ؟ ولما ذا يولّد العقل عقلا أو الرّوح روحا آخر ؟ فإنّ القدرة على الصّنع مستقرّة في الصّانع ، تكون لدى ما لا يقوم في حسن الحال من كلّ وجه ، فيعمل ويتحرّك وفقا للشّيء النّاقص فيه ؛ أمّا أهل / السّعادة فإنّهم يستوون ساكنين في ذواتهم ويبقون في ما هم عليه وحسبهم ذلك ، وهم لا يؤمنون أنفسهم من الاهتمام بالأشغال الكثيرة لأنّه يجعلهم بذواتهم يخرجون من ذواتهم . ولكنّه قائم أيضا في السّعادة ذلك الّذي ، على عدم انصرافه إلى الصنع ، يحقّق مع ذلك أشياء عظيمة ، وعلى بقائه في ذاته مع ذاته يأتي مع ذلك من الصّنع بما لا يستهان به قدرا . / 2 ومن ذلك العالم الحقّ الواحد ينشأ عالمنا هذا الّذي ليس واحدا حقّا ؛ فإنّه كثير العناصر متعدّد الأجزاء ، يقف فيه الجزء بعيدا عن الآخر ويصبح غريبا عنه ، فليس المقام للمحبّة فقط بعد ذلك ، بل للبغض أيضا بسبب امتداد البعد ، وما دامت الأجزاء في حاجة ونقصان أصبح بعضها حتما / عدوّا لبعضها الآخر . فإنّ الجزء لا يكفيه ما لديه ، وإذا ضمن لذاته الحفظ بغيره غدا عدوّا لذلك الّذي يكفل به حفظه . بيد أنّ هذا العالم لم يكن بدافع تفكير أدّى إلى أنّه يجب أن يكون ، بل بدافع ضرورة وجود طبيعة ثانية ؛ كذلك لأنّ العالم الرّوحانيّ لم يكن بحيث يبقى آخر ما في عالم الحقائق ؛ بل كان الأوّل ، تكمن فيه قوّة هائلة لا بل القوّة / كلّها ؛ وهي عنده الطّاقة على أن يصنع غيره بدون أن يجدّ في طلب الصّنع . فلو جدّ في الطّلب لما كانت له تلك القوّة من ذاته ، ولا من حقيقته ، بل لكان منه مثلما يكون من أهل الصّناعات الّذين ليس في وسعهم أن يصنعوا من تلقاء ذواتهم ، بل يكتسبون صناعتهم بالتّعلّم ، فإذا أمدّ الرّوح الهيولى بشيء من ذاته ، / حقّق الأشياء كلّها وهو لا يضطرب ولا يتحرّك له ساكن ؛ والّذي يمدّ به إنّما هو العقل الّذي يسري من الرّوح . ذلك لأنّ ما يسري من الرّوح إنّما هو العقل ، وهو في سريان دائم ما دام الرّوح ثابتا في عالم الحقّ . مثلما أنّ الأجزاء ، في المعاني البذريّة ، تكون كلّها معا في محلّ واحد ، فلا يخاصم جزء جزءا ، ولا يختلف عنه ولا يقف دونه حائلا ، / ثمّ يصير الشّيء في الحجم ؛ فتحلّ الأجزاء في مواطن يختلف بعضها عن بعض ، ويزاحم الجزء الجزء ويتلفه ، فكذلك أيضا ، من الرّوح الواحد ومن العقل الّذي يتفرّع عنه ينشأ هذا العالم الكلّيّ فيمتدّ كمّا وتحدث فيه حتما أجزاء تتجاذب وتتآلف ، وأخرى تتنافر وتتعادى ، فيحصل من بعضها ضرر على بعضها الآخر ، / طوعا تارة وتارة قسرا ، وإذا فسدت فئة نتجت عن فسادها فئة أخرى . وفي حين أنّها تتفاعل هكذا وتنفعل بعضها ببعض تشكّل بينها توافقا واحدا في أنشودة يكون لكلّ منها فيه صوته الخاصّ ، إذ ينشر العقل الّذي يتخلّلها التّناسب ويخلع النّظام الواحد على عالمنا كلّه .