الفصل الثّاني ( 47 ) في العناية ( المقال الأوّل )
1 إنّ التّسليم بأنّ حقيقة هذا العالم الكلّيّ وبنيته تعودان إلى الاتّفاق والحظّ ، هذيان وقول ممّن لا عقل عنده ولا إدراك ، وهذا أمر واضح قيل إثباته بالبرهان ، بل ما أكثر البراهين المقنعة الّتي بسطت للدّلالة عليه ؛ ولكنّ ما هو الوجه الّذي عليه حدثت تلك الجزئيّات / وصنعت ، فكان منها ما يبدو على غير الاستقامة ، فيثير التّردّد حول العناية بالكلّ ، فيخطر لبعضهم القول بعدم وجودها ، وللبعض الآخر أن يتصوّروا أنّ العالم صنع صانع شرّير ؟ هذا هو الأمر الّذي يجدر بنا أن نبحث فيه مقبلين عليه من أوّله وأصوله . / أمّا العناية الّتي تتعلّق بالشّيء الجزئي ، تلك الّتي تكون تروّيا قبل العمل كيف يجب أن يتمّ أو كيف يجب الّا يتمّ ما لا ينبغي أن نفعل ، أو كيف يكون هذا الشّيء لنا أو لا يكون ، فإنّنا ندعها الآن جانبا ؛ وأمّا العناية الّتي نقول فيها إنّها عناية بالكلّ ، فإنّنا إذا أثبتناها ربطنا بها ما يلزم عنها . هذا وإنّنا إذا قلنا أنّ العالم حدث / في لحظة ما من الزّمن ، وهو لم يكن موجودا قبل ذلك ، وضعنا بقولنا هذا عناية من نوع تلك الّتي وصفناها بأنّها عناية بالجزئيّات ، أعني علما سابقا عند اللّه وحسبانا منه كيف يكون هذا العالم الكلّيّ ، وعلى خير ما يمكن أن يكون . ولكنّا ما دمنا نرى أنّ العالم موجود دائما وأنّه لم يزل / ، فالصّواب بالتّالي أن نقول أيضا إنّ العناية هي للعالم الكلّيّ أن يكون هذا العالم على ما يقتضيه الرّوح وأن يكون الرّوح قبله ، لا بمعنى التّقدّم بالزّمن ، بل بمعنى أنّ الرّوح هو الأوّل بالطّبع وهو سبب العالم ، مثلما أنّه أصله المثاليّ الأوّل ونموذجه ، / ما دام العالم أثرا وبالرّوح وجوده وقوامه أبدا ودوما . وهاك الوجه في الأمر : إنّ حقيقة الرّوح والوجود إنّما هي العالم حقّا وأوّلا ، وهذا العالم لا يخرج من ذاته ليمتدّ كمّا ، ولا يضعفه تقسيم وليس فيه نقصان ، ولا يتحوّل إلى أجزاء ما دام الجزء فيه لا يميّز عن الكلّ ، بل إنّ حياته هي الحياة كلّها ، وهو الرّوح كلّه ، / حياة وعرفان بالرّوح في آن واحد ، تجعل الجزء كلّا والكلّ حبيب ذاته ، فلا فصل بين هذا وذاك ولا يصبح هذا تميّزا على حياله بحيث يكون غريبا عمّا سواه ؛ ومن ثمّ لا يسيء شيء إلى شيء حتّى ولو كان منه في الطّرف المقابل . ثمّ إنّ هذا العالم واحد من كلّ وجه وكامل من