الرّغبة ، فلا يقفون عندها على أنّها هي ذلك الأصل .
8 فما هو السّبب الّذي يبرز على أنّه مختلف عن تلك الأسباب الّتي ذكرت ، وهو لا يدع شيئا بلا سبب ويحفظ التّتابع والنّظام ويتسامح لنا بأن نكون شيئا ما ولا يبطل التّنبّؤ والعرافة ؟
إنّها النّفس الّتي يجب أن ندخلها في عالم الحقّ أصلا يختلف عمّا سواه ، وليس فقط نفس الكلّ بل / أيضا ومعها نفس كلّ فرد على أنّها أصل لا يستهان به ؛ فهي الّتي تضفر الأشياء كلّها بعضها مع بعض ما دامت لا تتولّد من بذور مثلما يتولّد غيرها ، بل هي السّبب الفاعل الأوّل . إنّها ، ما دامت بدون الجسد ، سيّدة أمرها ، طليقة حرّة ، مستقلّة عن السّببيّة الكونيّة ؛ ولكنّها أحلّت بالجسد ، / فأصبحت غير مطلقة السّيادة إذ إنّها نظّمت مع ما يختلف عنها . فإنّ الحظوظ تسيّر أغلب ما حول هذه النّفس من جملة الأمور الّتي وقعت في وسطها إذ جاءت إلى العالم ، ومن ثمّ فإنّها تارة تعمل مدفوعة بهذه الأمور وطورا تتغلّب عليها فتسوقها إلى حيث تشاء . وهي تتغلّب على الكثير إذا صلحت وعلى القليل إذا ساءت . مهما لانت لمزاج الجسد / أكرهت على أن تشتهي وتغضب ، وكانت ذليلة في الفقر ، متكبّرة في الغنى ، غاشمة في القدرة . أمّا إذا طبعت على الصّلاح ، فإنّها تبقى ثابتة بين كلّ ذلك ، تقلبه بدلا من أن تتقلّب هي ، فمنه ما تحوّله إلى غير ما هو عليه ، ومنه ما تتساهل معه على غير محالفة للرّداءة . /
9 إنّها تحدث بحكم الضّرورة إذا الأمور الّتي تحدث عن طريق التّخيّر وعن طريق تغلّب البخت معا ؛ وما عسى أن يكون غير ذلك ؟ إذا توافرت الأسباب كلّها ، حدثت الأشياء كلّها لا محالة ؛ على أنّ شيئا ما من الحركة الكلّيّة يساهم مع الأسباب الخارجيّة . وإذا تأثّرت النّفس بالعوامل الخارجيّة ففعلت شيئا أو رغبت / بشيء كأنّها تسخّر للحركة العمياء ، لا يقال عن عملها ولا عن حالتها إنّهما يتمّان طوعا ؛ وكذلك أيضا إذا انبعثت من تلقاء ذاتها وهي ذريّة لا تنقاد دائما للرّغبات السّديدة الّتي لها فينا حقّ السّيادة علينا . أمّا إذا تحكّم في النّفس وساد ما هو خاصّتها الّتي تنفرد بها ، أعني العقل السّليم القائم في الطّمأنينة ، فرغبت ، فتلك هي فقط الّتي ينبغي أن توصف بأنّها الرّغبة / الّتي تنبعث منّا وتنبعث طوعا ؛ وذلك هو عملنا لا أصل له من دوننا ، بل يصدر من الباطن ، من النّفس الطّاهرة ، من الأصل الأوّل الّذي له السّيادة المطلقة ، وهي حينذاك غير مغرورة بجهل ينالها وغير مذلّة بشهوة تقهرها ، والجهل والشّهوة إذا أقبلا ساقاها وجرّاها وما خلّيا بيننا / وبين أن يكون لنا عمل ، بل جعلا كلّ شيء فينا انفعالا محضا .
10 وغاية هذا الكلام هي أنّ الأشياء كلّها أشياء يستدلّ عليها ، وأنّ الأشياء كلّها تحدث
تاسوعات أفلوطين — صفحة 197
مساهمون: أفلوطين
ص١٩٧