ربّما ساعدت حركة الكلّ وأسهمت في الكثير ممّا يتولّد ، ولا ضير في أن تمدّ الكواكب جسميّا بالكثير ممّا هو من الجسم ، / مثل الحرارة والبرودة والأمزجة النّاتجة عن ذلك في الأجسام ، ولكن أنّى لها أن تعطي الأخلاق والعادات وبخاصّة تلك الأمور الّتي تظهر بوضوح أنّها ليست خاضعة لمزاج الأجسام ، مثل أن يكون الإنسان عالما في علم النّحو أو الهندسة أو بارعا في لعب النرد أو مخترعا في تلك المجالات ؟ ثمّ رداءة الأخلاق ، / كيف تؤخذ من الكواكب وهي أرباب ؟ كما أنّه يقال فيها أيضا ، بوجه عامّ ، أنّها تولّد الشّرور إذا نالها شرّ ، وكأنّها إذا غابت في نظرنا ، لا تبقى دائما محمولة في الكرة السّماويّة ، محتفظة بالوضع ذاته بالنّسبة إلى الأرض .
ولا / يجب أن يقال أيضا أنّ الرّبّ من هؤلاء الأرباب إذا تحوّلت مشاهدته من ربّ إلى ربّ من الأرباب الآخرين ، وانتقل هو من وضع إلى وضع آخر ، انحطّ شأنه أو علا ، بحيث أنّهم إذا كانوا على حسن الحال أحسنوا معنا الصّنيع ، وأساؤوا إلينا إذا كانوا على غير ذلك . بل الأحرى أن يقال أنّ الكواكب تحرّك لحفظ العالم الكلّيّ ولكنّها تؤدّي أيضا خدمة أخرى / وهي الخدمة الّتي يقوم بها من ، إذا نظر إليها كأنّه ينظر إلى حروف وكان عارفا بحروف أبجديّة من هذا النّوع ، طالع في هيئاتها ، متمشّيا مع قواعد القياس ، ما يدلّ على المستقبلات ؛ كما هو الأمر فيما تكون الحال إذا قيل عن الطّير كلّما حلّق عاليا في الجوّ ، أنّه ينبئ على جلائل الأعمال .
7 بقي أن نبحث في الأصل الّذي يضفر الأشياء وكأنّه ينسّق بعضها مع بعض فيحدّد لكلّ شيء كيف يكون ، وهو ، فرضا ، أصل واحد به يتحقّق كلّ شيء وفقا لبنيته الفطريّة . وهذا المذهب قريب من ذلك الّذي يجعل كلّ حالة وحركة ، فينا / وفي الكلّ ، خارجة من نفس العالم الكلّيّ ، ولو كان هذا الأخير ينطوي على بعض التّسامح فيعترف لنا بأن نقوم بفعل ما من تلقاء ذواتنا . أمّا مذهبنا هنا فإنّه يتضمّن الحتميّة المطلقة في كلّ شيء ، فإذا توافرت الأسباب كلّها ، فلا مندوحة للشيء الّا يتمّ ؛ ذلك لأنّه ليس من شيء بعد ذلك ليمنعه / عن أن يكون أو يجعله أن يكون غير ما هو عليه ، فيما لو توافرت الأسباب كلّها في القدر المحتوم . وما دامت هذه الأسباب متفرّعة كذلك من أصل واحد ، لا يسعنا معها إلّا أن نحمل قسرا إلى حيث تدفعنا .
فتحدّد تصوّراتنا بسوابقها ، وتكون رغباتنا وفقا لتلك التّصوّرات ويصبح ما نحن عليه بالذّات اسما ولفظا فقط . / فإنّه لن يزيد شيئا أن نكون نحن الّذين نرغب ما دامت الرّغبة فينا بمقتضى تلك الأسباب ؛ والّذي يكون منّا إنّما هو من نوع ما يكون من الحيوان ومن الرّضيع وهما ينطلقان عن رغبة عمياء ، ومن نوع ما يكون من المجانين ؛ فإنّ للمجانين رغباتهم أيضا . كما أنّ للنار أيضا ، وأيم الحقّ ، رغباتها ، / ولكلّ تلك الأشياء الّتي تخضع قسرا لما بنيت عليه فتسيّر بمقتضاه تسييرا . وهذا أمر يرونه كلّهم ولا يتمارون فيه ، إلّا أنّهم يبحثون عن أسباب أخرى لتلك
تاسوعات أفلوطين — صفحة 196
مساهمون: أفلوطين
ص١٩٦