أن يتحرّك كلّ فرد كجزء بحسب ما يسوقه الكلّ ، فيتحتّم علينا ، إذا خرج من تلك النّفس أسباب متلاحقة ، أن نسمّي قدرا محتوما تماسك تلك الأسباب وترابطها على التّوالي بعضها مع بعض ؟
مثل ذلك مثلما يكون فيما لو رأينا نبتة لها أصلها من جذورها فقلنا / أنّ التّدبير الّذي ينبثق من تلك الجذور فيشمل كلّ أجزاء النّبتة وأنّ تشابك تلك الأجزاء بعضها ببعض وتبادلها الفعل والانفعال ، كلّ ذلك إنّما هو تدبير واحد وكأنّه قدر النّبتة المحتوم . إلّا أنّ أوّل ما يجدر بالذّكر هنا هو أنّ الإفراط في إثبات الحتميّة وفي إثبات قدر محتوم من هذا النّوع ، / إنّما هو هو في ذاته نفي للقدر المحتوم ولارتباط الأسباب وللتشابك . وكما أنّه ، فيما يختصّ بأعضائنا إذا تحرّكت وفقا لصاحب الأمر فيها ، فمن الهذيان أن ندّعي أنّ التّحرّك يتمّ بقدر محتوم - ( فإنّ ما يعطي الحركة لا يختلف عمّا يتلقّاها ويستخدم الحافز الّذي وصله منه ، بل / إنّه هو الأوّل ذلك الّذي حرّك السّاق ) - فكذلك القول في الكلّ أيضا : فإذا كان الكلّ هو الّذي يفعل وينفعل ، وإذا لم يكن الشّيء من شيء آخر وفقا لتوال سببي يعود دائما كلّ سبب فيه إلى سبب غيره ، فلا يصحّ أن يقال أنّ الأشياء كلّها تكون بحسب أسباب ، بل تكون الأشياء كلّها شيئا واحدا . فلسنا بعد ذلك / ما نحن عليه وليس من عمل ليكون عملنا ، كما وأنّنا لسنا نحن الّذين نفكّر ، بل أصبح ما عزمنا عليه فكرا ورويّة ممّا يختلف عنا ؛ ثمّ إنّنا لسنا نحن الّذين نعمل ، مثلما أنّ الأقدام ليست هي الّتي تركل ، بل نحن ذلك بوساطة أعضاء في جهازنا . مع أنّه ينبغي أن يكون الفرد ذاته هو الفرد ، وأن توجد أعمال وأفكار تكون أعمالنا وأفكارنا نحن ، / وأن تصدر أعمال الفرد منه فردا سواء أكانت حسنة أو سيّئة ، ولا يردّ العمل إلى الكلّ ، اللهمّ إلّا عمل السّيّئات على الأقلّ .
5 ولكن ربّما لم تكن الحوادث لتقع كذلك ؛ بل إنّ الحركة الّتي تدبّر الكلّ مع حركة الكواكب هي الّتي تجعل كلّ حادث بحيث يكون وفقا لأوضاع بعض الكواكب مع بعضها الآخر ، وذلك عند ظهورها ثابتة وطلوعها وأفولها وتقارنها . فإنّ العرّافين من الكواكب يستدلّون ليؤذنوا بما سوف يتمّ للعالم الكلّيّ / ولكلّ فرد ، ما عسى أن يكون مصير هذا الفرد لا بل ما عسى أن يضمره من فكر . إنّنا نشاهد ، فيما يقولون ، سائر الحيوان والنّبات أيضا في تعاطف مع تلك الكواكب ، فينمو وينقص وتصله منها الانفعالات على إختلاف أنواعها ، ثمّ إنّ المناطق على الأرض إنّما يختلف بعضها عن بعض / بحسب وضعها من الكلّ وبخاصّة من الشّمس ، وإن ذلك الارتباط بالمناطق لا يشمل النّبات والحيوان فقط ، بل الآدميين أيضا في هيئاتهم وأحجامهم وألوانهم وأهوائهم ورغباتهم وعاداتهم وأخلاقهم . ومن ثمّ فإنّ حركة الكلّ هي صاحبة الأمر في الأشياء كلّها . على هذه الأقوال يجاب أوّلا / بما يلي : إنّ هذا المذهب ينسب ، من وجه آخر ، للكواكب ما هو لنا ، الإرادة والانفعال ، الرّذيلة والرّغبة ، فلا يعترف لنا
تاسوعات أفلوطين — صفحة 194
مساهمون: أفلوطين
ص١٩٤