من تعاليم أمّنيوس / ، تلك الّتي كانت قد توضّحت لهم بالاستماع منه ، بقي أفلوطين ، على اتّصاله ببعضهم ممّن كانوا يحضرون إليه ، محتفظا بتلك التّعاليم سرّا لنفسه . فسبق هرنيوس أوّل من أخلف بالعهد ، ثمّ تبعه أوريجينيس ، لكنّه لم يكتب إلّا / المقالة « في الجنّ » ، ثمّ في أيّام جالينوس ، مقالته « في أنّ الملك وحده هو المبدع » « 19 » . أمّا أفلوطين فقد قضى مدّة لم يكتب
هامش
( 19 ) إنّ هرنيوس هو أقلّ الثّلاثة شهرة وذكرا في التّاريخ إذ نكاد لا نعرف عنه شيئا . أمّا أوريجينيس فليس بالعالم المسيحيّ المشهور كما ظنّ بعضهم . انظر مثلا .La jeunesse d'Origene , R . cadiou، باريس 1935 ، قارن ، في رد هذا الظّنّ ، بما ورد عندPlotin , RE , Schwyzer 084تا وأيضاHermes , Dorrie83 ، 1955 ، 468 - 472 . أمّا اتّفاق الرّجال الثّلاثة على الّا يبوحوا بشيء ممّا حصّلوه من علم بإشراف أمنيوس ، فيجب الّا يبالغ في تصوّره تعليما سرّيا يحظّر إفشاؤه إلى غير خواصّه . فإنّ العبارة اليونانيّة ، إن ردّت إلى قرائنها ، إنّما دلّت على ما كان أهون من ذلك قدرا ومرمى . ولا يتجاوز الأمر ، فيما يبدو ، اتّفاقا وقع بين اختصاصيّين على الّا ينفرد كل منهم بما اشتركوا معا في اكتشافه وإبرازه أثناء مباحثاتهم مع أمنيوس . فإنّ النّصوص تطلعنا على أنّ المفكّرين أخذوا يظهرون ، في عصور الهلّنستيّة ، شيئا من الاهتمام بنتاجهم الخاصّ . فيسعى كلّ منهم إلى أن تميّز آثاره ، ولو شفهيّة كانت ، عن آثار غيره . انظر مثلا هنا ( 14 ، 20 تابع ) اضطراب أفلوطين عندما رأى أوريجينيس ، رفيقه القديم ، داخلا يوما لحضور حلقته . لكنّ الرّجل لم يلبث أن واصل كلامه إذ أنّ صاحبه كان قد سبقه إلى الاخلاق بما كان قد تعاهدا عليه . أمّا فيما يتعلّق بمقالتي أوريجينيس المذكورتين هنا ، فإنّ الثّاني منهما قد أثار بعض التّردّد في فهم عنوانه . فالرّأي هنا أنّ هذا الفهم مرتبط بالوجه الّذي تؤخذ عليه اللفظة اليونانيّة الّتي ترجمت هنا « بالمبدع » ، ولقد ترجمه الكثيرون ، ومنهم برهييه وحتّى هردر « بالشّاعر » . على أنّ اللفظة اليونانيّة إنّما تعني أصلا « الصّانع » أو « المبدع » كما يدلّ عليه عنوان كتاب أرسطو المشهور الّذي ترجم « في الشعر » في أنّه كان يجب أن يترجم « أصلا في الابداع » . فنستطيع ، بعد هذا التّوضيح ، أن نذكر الوجهين الأهمّين اللذين وردا تأويلا لعنوان مقالة أوريجينيس . فبالوجه الأوّل يكون « الملك » المقصود هو الإمبراطور جالينوس ، بمعنى أنّ المقالة كانت قد وضعت تزلّفا له .
لكن الواقع أنّ أفلوطين ذاته ، فيما يقول فرفوريوس ( 4 ، 10 ) ، إنّما باشر تدوين تعليمه في السّنّة الأولى من حكم جالينوس . ومعروف أنّ أوريجينيس كان السّابق إلى هذا التّدوين : فكيف يكون قد وضع مقالته في « الملك » ولمّا يكن جالينوس « ملكا » ؟ فلذلك انقلب الباحثون إلى القول بالوجه الثّاني وهو الأقرب إلى الاحتمال ، فيما يبدو . وإليه يذهب برهييه إذ يردّ صيغة عنواننا إلى أصل تاريخيّ هو مثل مرسل رواقي ورد « بأنّ الحكيم هو القرّاف وهو المبدع » ( برهييه ، م . مI، 4 ، حاشية 1 ) . هذا مع العلم بأنّ ترجمة « المبدع » هي المتّبعة هنا بدلا من « الشّاعر » والّتي يبقي برهييه عليها . والحاصل أن يكون أوريجينيس قد استبدل في مثلنا لفظة « ملك » بلفظة « حكيم » . على أن لا تدلّ لفظة « الملك » على شخص الإمبراطور جالينوس بل على « الإله الأعظم » . فيصبح عنواننا على الصّيغة التّالية : « إنّ الإله الأعظم وحده هو المبدع » ويكون له حينئذ معنى مقبول .