تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 5

مساهمون:

ص٥

حياء . ولمّا أدرك الثّامنة والعشرين انصرف إلى الفلسفة فعرّفوه بمشاهيرها في الاسكندريّة ؛ ولكنّه كان يخرج من حلقاتهم فاتر الهمّة كئيبا . فشكا أمره إلى أحد أصحابه وأدرك هذا / حاجة نفسه ، فانطلق به إلى أمّنيوس وكان أفلوطين لا يعرفه . فلمّا دخل وسمعه قال لصاحبه : « هذا هو الرّجل الّذي كنت أطلبه » . ومنذ ذلك الحين دأب يتردّد على أمّنيوس وأصبح عظيم الاطّلاع على الفلسفة ، بحيث إنّه / أنشأ يختبر فلسفة الفرس وفلسفة الهنود اختبارا مباشرا « 15 » . وكان الإمبراطور غرديانوس يهيّئ حينذاك حملة على بلاد فارس ، فتطوّع أفلوطين في الجيش ورافقه وهو في التّاسعة والثّلاثين من عمره ، بعد أن تابع دروس أمّنيوس إحدى عشرة سنة كاملة / « 16 » ، ولكن غرديانوس انهزم في بلاد ما بين النّهرين . ولم يفرّ أفلوطين إلّا بشقّ النّفس

هامش
( 15 ) كذلك كانت الحالة عند كلّ طالب للفلسفة في ذلك الحين : كان يطمح ، بعد الاطّلاع على الفلسفة اليونانيّة ، إلى أن يكتشف في الشّرق ما كان يتصوّره قمّة الفلسفة . ولذلك يصف فرفوريوس هنا اتّصال أفلوطين بامنيوس ( المعروف خطأ بسكّاس : راجع :SchwyzerفيPlotin R E، ص 477 - 481 ) على أنّه دراسة الموادّ الفلسفيّة المألوفة سمعا عن أستاذ ليس أكثر . لكن ذلك الاتّصال هو الّذي مكّن أفلوطين من أن « يحرز الملكة في الفلسفة » . وهي عبارة يدلّ مقابلها في اليونانيّة على ضرب من الانكشاف يقع وليد انقلاب حاسم في النّفس تحت تأثير حادث ما . لكنّ ذلك لا يعني أن أفلوطين كان قد قصد الاسكندريّة طلبا للفلسفة : فإنّ هذا لم يكن الأمر المألوف يومذاك ، وما كان أحد يقصد تلك المدينة آنئذ لذلك الغرض ، بل يتوجّه إلى أثينا . فجلّ ما يمكن أن يستحصل من الّذي يرويه فرفوريوس في هذا المجال هو أنّ أفلوطين إنّما تعلّم الفلسفة في الإسكندريّة لا لشيء إلّا لأنّه كان مقيما فيها . أمّا في ما يتعلّق بالمدارس الفلسفيّة في الإسكندريّة فراجعHistoire de l'education dans l'Antiquite , H . I . Marrou، طبعة 3 ، 1955 ، ص 262 ) . هذا وإنّ كلّ ما سبق ذكره من ( ؟ ؟ ؟ 3 : 2 ) حتى ( ؟ ؟ ؟ 3 : 18 ) إنّما يورده فرفوريوس بصيغة الرّواية عن أفلوطين إلى أنّ يباشر هو ذاته سرد الحوادث انطلاقا من ( ؟ ؟ ؟ 3 : 17 ) . على أنّه كان يستند ، في الكثير الّذي يرويه حينئذ ، على ما كان أمليوس قد أمدّ به من ذكريات . علما بأنّ هذا الأخير كان ابتدأ يحضر حلقات أفلوطين قبل فرفويوس بزمان . ونذكّر هنا ، أخيرا ، بما سبق فرفوريوس إلى الإشارة إليه من إمساك أفلوطين عن كل قول من شأنه أن يكشف شيئا عن حياته الخاصّة . وهو أمر يعود إليه المؤرّخ فيصرّح به في آخر الفقرة السّابقة . ممّا يدفعه إلى استهلال الفقرة الثّالثة ( ؟ ؟ ؟ 3 ) الّتي نحن فيها بأداة الفصل القاطعة الّتي تقابلها الأداة « أمّا » في اللغة العربيّة ، مثلما نراه في التّرجمة هنا .
( 16 ) لا يطمئنّ الاختصاصيّون إلى السّبب الّذي يعطيه هنا فرفوريوس والّذي من أجله يغادر أفلوطين الإسكندريّة . بل إنّهم يرونه من مجرّد اختلاف المؤرّخ ليبيّن أهمّيّة الشّرق من حيث كونه معين إلهام للفلسفة . فكأنّه يتصوّر المفكّرين غير جديرين بأن يكونوا فلاسفة بتمام المعنى إلّا إذا تجوّلوا في الشّرق بعد إنهاء تحصيل دروسهم في الفلسفة اليونانيّة المألوفة المكرّسة . فكذلك يصف أفلوطين بعد قضائه إحدى عشر سنة تحت رعاية أمنيوس الفلسفيّة . الواقع أنّا لا نستطيع أن نجزم في السّبب الّذي دفع أفلوطين إلى أن يغادر الاسكندريّة . هل فعل ذلك بعد موت أمنيوس أو في حين كان أستاذه ما يزال على قيد الحياة ؟ بل نجد من الاختصاصيّين ، مثل برهييه ، من يذهب إلى أنّ أفلوطين التحق هكذا بجيش غرديانوس لأنّه كان يمرّ يومئذ بأزمة نفسيّة . لكنّ برهييه يذكر هذه الأزمة دون أن يعلّلها ويردّها - - إلى سند ما ( راجع برهييه ، أفلوطين ، التّاسوعات ، ج 1 ، المقدّمة ص 5 - 6 بالتّرقيم الرّومانيّ ) . وأيّا كان الحال فإنّ فلسفة الفرس ، الّتي كان أفلوطين يرغب في الاطّلاع عليها لم تكن فقط مجرّد التّعليم الزردشتي وآفاقه الفكريّة الدّينيّة ، كما يذهب إليه دون تعليل ( راجعHermes , Dorrie ,83 ، 1955 ، ص 442 ) . إنّما كانت فيما يبدو ، زبدة عالم ثقافيّ بكامله لم يستقطب فقط اهتمام الفيثاغوريّين ومن ينزع إليهم ، بل كل حكيم يونانيّ من أمثال ديموقريطس وأفلاطون واودكسوس ويوزيدنيوس المنفتحين على كلّ أمر ذي بال حتّى ولو كان خارج بلادهم . ومن ثمّ التّشوّق عندهم إلى الرّحلات لاكتشاف الجديد الّذي من شأنه أن يغذّي نظرهم إلى الحياة وينمّيه . أمّا الفلسفة الهنديّة ، فلربّما كان أفلوطين ، وفرفوريوس من خلاله ، يقرنها بالثّقافة الفارسيّة على أساس كون الثّقافتين متّحدتين بأنّهما غير يونانيّتين . فيتصوّر أنّه سوف يكتشف منها في بلاط فارس ، جانبا أوفر من الّذي كان من شأنه أن يأخذه من الأجانب المتردّدين آنئذ إلى حوانيت مرفأ الاسكندريّة ، وهو مرفأ ، كما نعرف ، كان يقع على طريق البحر من روما إلى الهند . فلا حاجة هنا إلى أن نتصوّر غرديانوس متأسّيا بالإسكندر ذي القرنين ومصمّما حملة على بلاد الهند محفوفا بالعلماء والفلاسفة . فإنّ الرّجل ومستشاره السّياسيّ بخاصّة ، ثيميزيت) Timesthius (لم يصلا من الحماقة والجهل بالسّياسة العالميّة إلى هذه الدّرجة . والواقع أنّ الرّومان كانوا يستهلّون إشعارهم للحرب على أعدائهم بافتتاح هيكل جانوس . ولدينا نقوش تدلّ على أنّ غرديانوس أمر بافتتاح هذا الهيكل في سنة 242 إشعارا بتسيير الجيش الرّومانيّ إلى ما وراء النّهرين ليجهز على الفرس . هذا وإنّ نجاح أفلوطين ، في طلبه أن يرافق الجيش الرّومانيّ يومذاك ، إنّما يدلّ على أنّه كان للرجل علاقات طيّبة مع أفراد من مجلس الشيوخ الرّوماني مقرّبين إلى الإمبراطور غرديانوس .