خرجوا منه ؟ وإذا تمّ لهم في هذا العالم ، فكيف لا يزالون فيه ؟ بل كيف لا يكون اللّه نفسه هاهنا ؟
ذلك لأنّه أنّى له أن يعرف أنّهم هاهنا ؟ / بل كيف يعرف أنّهم ، ما داموا هنا ، لم ينسوه ولم يصبحوا أردياء ؟ وإذا عرف الّذين لم يصبحوا أردياء عرف أيضا الّذين أصبحوا كذلك حتّى يميّز بين هؤلاء وأولئك . فإنّه حاضر على كلّ شيء إذا ، وهو في عالمنا هذا ، مهما يكن نوع حضوره ، ومن ثمّ فإن له من العالم شريكا . / أمّا إذا كان غائبا عن العالم ، فهو غائب عنكم أيضا ، وليس لديكم ما تقولون عنه أو عمّا يكون بعده . بل نقول إنّه سواء أجاءكم من الملأ الأعلى عناية تهتمّ أو كان من الأمر ما تشاؤون ، فإنّ للعالم شيئا أتاه من هنالك ، فما هو بالمتروك على حاله ولن يترك على حاله . وأعظم بالعناية جدارة بأن تكون عناية بالكلّ من أن تكون عناية بالأجزاء ، / وما أحرى نفس الكلّ بأن يكون لها من تلك العناية حظّ ، فعلى ذلك تدلّ الأعيان والحكمة فيها .
ولعمري من هو القائم هكذا في النظام والحكمة قيام العالم الكلّيّ من بين هؤلاء الّذين يدّعون لأنفسهم ، عن غير فهم ، زيادة في الفهم ؟ لا بل إنّ في هذه المقارنة سفها وحماقة ، وأنّ من يقيمها / لغير غرض المجادلة لا يأمن الكفر . وليس البحث في هذه الأشياء عمل البصير بل عمل الأعمى وعمل من جرّد تجريدا تامّا من الإحساس والذّوق بالرّوح ، فشتّان ما بينه وبين أن يرى العالم الرّوحانيّ ، وهو محروم النّظر إلى هذا العالم الحسّيّ . أين المرء البارع في الموسيقى الّذي ، إذا أدرك التّوافق القائم على التّناسب الرّوحانيّ ، لا يتأثّر / بذلك التّوافق إذا قابل سمعه في الأصوات الحسّيّة ؟ أين الخير بالهندسة والأعداد الّذي إذا شاهد بأمّ عينه تناظرا وتناسبا وتناسقا لا ينعم به ويلتذّ ؟ إنّ الّذين يشاهدون منتجات الفنّ ، ولو كانوا يشاهدونها معا بأبصارهم ، فإنّهم لا يدركون كلّهم معا أشياء واحدة في الرّسم ، بل إذا تبيّنوا / في المحسوس محاكاة لما هو كامن عند بعضهم في العرفان ، فكأنّ العرفان عند هؤلاء تهزّ أعطافه حينذاك فيأتون على تذكّر الشّيء في حقيقته ؛ وهذا هو بالذّات الانفعال الّذي ينبعث العشق منه . فإنّ من يشاهد الحسن وقد وضح محكاه على الوجه ، ارتقى منه إلى العالم الأعلى ؛ أمّا البليد فهو من أدركه بحيث يقف عنده ولا يتحرّك إلى شيء آخر ، / فيرى مفاتن العالم الحسّيّ كلّها ، وذلك التّوافق الكونيّ ، والتّرابط العظيم المحكم الّذي يبدو في مشهد الكواكب على ابتعادها منّا ، ولا يقع تحت رعشة الورع فيجد في نفسه إعظاما لهذه الأمور من إعظام لتلك العليا / الّتي عنها صدرت . فإنّهم لم يدركوا بالرّوح أمور هذا العالم ، كما أنّهم لم يروا ما في العالم الأعلى .
17 هذا وإذا خطر لهم ذلك الحقد على طبيعة الجسد لأنّهم سمعوا الكثير ممّا ورد عند أفلاطون في تشكّيه من الموانع العظيمة الّتي يقيمها الجسد في وجه النّفس ، وممّا قاله الرّجل
تاسوعات أفلوطين — صفحة 182
مساهمون: أفلوطين
ص١٨٢