تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
في خسّة الطّبيعة الجسديّة ، فالواجب عليهم أن يتجاوزا بالفكر تلك الطّبيعة ويشاهدوا ما هو باق وراءها ، أعني الفلك الرّوحانيّ الّذي ينطوي / على أمثول العالم ، ثمّ النّفوس في نظامها وهي تحدث عظما بدون أجساد إذ تسوق إلى تمدّد روحانيّ بحيث أنّ العظم في الأصل المشدود إلى القوّة يساوي العظم غير المنقسم في الشّيء الذي يخرج إلى الصيرورة ؛ فإنّ العظم في الملأ الأعلى إنّما هو في القوّة ، وهو في الحجم هنا . / وسواء أشاؤوا أن يتصوّروا ذلك الفلك متحرّكا تدفعه قوّة ربّانيّة مستولية عليه بكامله في أوّله ووسطه وآخره ، أم تصوّروه ساكنا وليس يقابله بعد شيء آخر يدبّر أموره ، فإنّه نعم الهادي إلى فهم النّفس الّتي تدبّر أمور هذا العالم . فإذا جعلوا الآن لتلك النّفس جسدا / بحيث أنّها لا تنفعل قطّ بل تمدّ غيرها بما له ، إذا كانت الأفراد تستطيع أن تتلقّى شيئا ( لأنّ الغيرة لا تجوز بين الأرباب ) ، كفلوا لأنفسهم بذلك صورة صادقة عن العالم كما هو عليه ، إذ أنّه يسلّمون حينذاك بأن لنفس هذا العالم من القوّة ما تجعل به الجسد ، وهو خال من الحسن ، على جانب من الحسن ، ويسعها ذلك بقدر ما تمّ لها هي ذاتها أن تكون قائمة في الحسن . وهذا الحسن هو الّذي يحرّك النّفوس لأنّها ربّانيّة . / إلّا إذا ادّعوا أنّ لا حراك عندهم وأنّهم لا يرون فرقا بين القبح والحسن في الأجساد ؛ فنقول : ما دام الأمر كذلك ، فلا قبح أو حسن في الأفعال ، ولا حسن في العلوم ولا في المشاهدات ؛ ولا حسن في اللّه إذا . فإنّ ما في الملأ الأعلى هو أصل لما يكون هنا / وإن لم يكن الشّيء هنا ، فليس هنالك أيضا . ومن ثمّ فإنّ الحسن هنالك أوّلا ، والمحاسن هنا بعده . بيد أنّهم ، ما داموا يدّعون أنّهم يحتقرون محاسن هذه الدّنيا ، فقد يجمل بهم أن يحتقروها في الغلمان والنّساء ، فلا ينقادوا إلى الشّهوة الفاسدة . هذا مع العلم بأنّهم ما كانوا ليتباهوا لو كانوا يحتقرون القبح ، إنّما يتباهون لأنّهم / يحتقرون الآن ما كانوا يستحسنونه من قبل . فكيف يميّزون إذا بين الحسن والقبح ؟ كما أنّه لا بدّ من الملاحظة أنّ الحسن ليس هو هو في الجزء وفي الكلّ ، في الأشياء كلّها وفي كلّ شيء ؛ وأيضا إنّ في الحسّيّات والجزئيّات من المحاسن - كمحاسن الجنّ مثلا - ما يجعلنا نعجب بصانعها ونعتقد أنها من الملأ الأعلى ، / منها ننطلق لنحكم على حسن ما هنالك بأنه حسن فائق ليس محتسبا في نطاق أمور عالمنا . بل يرتقي من هذه الأمور إلى العلويات ، غير شامت بالدنيويات ؛ وإذا كانت بواطن تلك الحسّيات والجزئيات قائمة في الحسن أيضا حكمنا على التّوافق بين بواطنها وظواهرها ؛ أمّا إذا كان باطنها رديئا فإنّا نحكم لها بالخسّة في خير ما هو منها . على أنّه ليس من شيء قائم ظاهره في الحسن حقّا / ليكون قبيح الباطن ؛ فإنّ الظّاهر لا يكون قائما في كمال الحسن ما دام الباطن هو السّيّد . أمّا من اشتهر بالحسن على قبح الباطن فإنّ ما لديه من حسن الظّاهر إنّما هو حسن كاذب . والّذي يدّعي أنّه شاهد رجلا حسن الظّاهر حقّا قبيح الباطن فإنّني أرى أنّه لم يشاهد رجلا كذلك بل اعتقد الحسن في غير صاحبه ؛ / وإلّا