تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
غيرهم من النّاس ، ما كان فيه منفعتهم فقط ، إلّا إذا وجد بينهم من كان بفطرته أفضل من أن تنال / منه تلك الأقاويل ؛ فإنّ شيئا من الدّنيويات لم يحسن في نظرهم ، بل حسن أمر آخر ، وهو ذلك الّذي يجهدون في طلبه . ومع ذلك فإنّه كان ينبغي لهم ، ما داموا حاصلين الآن على المعرفة ، أن يباشروا من هاهنا بالسّعي في طلب ذلك الأمر ، فإذا جدّوا في طلب الأوليّات ساروا مع الدّنيويّات على الصّراط المستقيم ما داموا يدّعون أنّهم من « فطرة ربّانيّة » . فإنّ من شأن هذه الفطرة أن تميّز الحسن وتدركه إذ أنّها لا تبالي بلذّة الجسد . / لكن الّذين لا حظّ لهم من الاعتدال ، ليس لهم أيضا حافز قط يدفعهم نحو العلويّات . ويشهد على ذلك عندهم أنّهم لم يخرجوا بتعليم قط عن الاعتدال ، بل عدلوا عدولا تامّا عن القول فيه ، فما ورد عندهم شيء عمّا هو وعن عدد أنواعه ، وعن الآراء الكثيرة الجليلة الّتي بلغتنا عنه في / مذاهب القدماء ، وعمّا يتألّف منه وكيف يكتسب ، كما أنّهم لا يقولون لنا كيف تعالج النّفس وكيف تطهّر . فلا خير في قولهم : « أنظر إلى اللّه » ما لم يدلّ على كيف يكون النّظر . ذلك لأنّه قد يقول قائل : « لما ذا نمنع عن النّظر إذا لم نكن لنمسك من لذّة قطّ / أو لنتسلّط على سورة من غضب ، فنذكر اسم اللّه وننقاد لكلّ هوى ، بدون أن نحاول شيئا لقمعه ؟ إنّ الاعتدال إذا أدرك كماله واستحكم في النّفس فرافقته الفطنة هو الّذي يكشف عن اللّه ؛ وبدون الاعتدال الحقّ فإنّ ذكر اللّه ليس إلّا تلفّظا باسم . / 16 نعود ونقول إنّ احتقار العالم مع ما فيه من أرباب ومحاسن شتّى لا يؤدّي بصاحبه إلى الفضل والصّلاح . إنّ الرّجل الرّديء كلّه هو كذلك أوّلا لأنّه يحتقر الآلهة ، وإذا لم يكن قبل ذلك رديئا كلّه ثمّ احتقر الآلهة فإنّه بذلك الاحتقار بالذّات يصبح رديئا كلّه وإن لم يكن مع الأمور الأخرى رديئا . فإنّ ما / يدّعونه عندهم من إكرام نحو الأرباب الرّوحانيين إنّما هو إكرام خال من التّعاطف الصّادق ؛ ذلك لأنّ من أحسّ بالحبّ نحو حبيب ما انشرح صدرا أمام كلّ قريب لما يحبّ ، فإذا أحبّ الأب أحبّ الأولاد أيضا ، وكلّ نفس إنّما هي من ذلك الأب في الملأ الأعلى . لكنّ لشدّ ما تفوق نفوس الأفلاك نفوسنا من حيث الرّوحانيّة والصّلاح والارتباط / بأمور العالم الأعلى ؛ فكيف يصحّ لعالمنا كيان إذا فصل بينه وبين ذلك العالم ؟ بل كيف يكون فيه أرباب ؟ ولكنّ ذلك كلّه ورد ذكره . بقي الآن أن نقول أنّ أصحابنا يحتقرون ما يجانس الأمور الرّوحانيّة لأنّهم لم يدركوا تلك الأمور إلّا بألفاظها . ثمّ إنّ القول بأنّ العناية تشمل أمور هذا العالم أو كلّ أمر مهما كان ، كيف يكون قولا صادرا عن ورع في صاحبه ؟ / كيف يوفّقون بينه وبين أنفسهم ؟ فإنهم يدّعون أنّ العناية لا تهتمّ إلّا بهم . أفيتمّ لهم ذلك إذا أصبحوا في العالم الأعلى أو أثناء كونهم هاهنا ؟ إذا تمّ لهم الأمر في الملأ الأعلى ، فكيف