تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
العقل السّليم بأنّ ليس للأمراض أسبابها من تعب وامتلاء وفراغ وفساد ، وإجمالا من تغييرات تردّ أصولها إلى الظّواهر أو البواطن منّا . / وتدلّ على ذلك معالجة الأمراض . فإذا أسهل إسهال أو أخذ دواء سقط الدّاء وخرج ، وهكذا أيضا فيما لا لو افتصد عرق من عروق البدن ، كما أنّ الصّوم أيضا يشفي . أفيكون الشّيطان قد جاع أو الدّواء قد نجع فيختفي الشّيطان بأن يخرج أحيانا أو يبقى داخل الجسد ؟ / وإذا بقي فكيف يكون في باطن الإنسان ، ولا يبقى الإنسان مريضا ؟ وإذا خرج فلما ذا ؟ وما الّذي أصابه ؟ يقال : لأنّ المرض كان يغذّيه . فنقول : فإنّ المرض يختلف عن الشّيطان إذا . ثمّ إذا دخل الشّيطان ، ولم يكن في الجسد سبب للمرض ، فلما ذا لا يكون الإنسان مريضا دائما ؟ وإذا كان سبب المرض في الجسد ، فما الحاجة إلى الشّيطان لتعليل / المرض ؟ فإنّ السّبب كاف لإحداث الحمّى . فمن السّفه أن يقال بأنّه إذا كان السّبب ، حضر معه الشّيطان على الفور وهو في حال التّأهّب ، كأنّه واقف إلى جانبه لمساعدته . لقد اتّضح الآن إذا ما ذا يعنون بأقوالهم وما هو قصدهم منها . / وهذا هو السّبب ( وليس أقلّ منه ) الّذي دفعنا إلى ذكر تلك الشياطين . أمّا الباقي فإنّني أدعه لكم لتطالعوه وتمعنوا النّظر فيه فتتبيّنوا حيثما اتّجهتم كيف أنّ نوع الفلسفة الّذي نذهب إليه ، علاوة على كلّ ما فيه من المحاسن الأخرى الّتي يمتاز بها ، إنّما يمتاز خاصّة بدماثة الخلق وصفاء الفكر ، بطلب الرّزانة / ولا بطلب الغطرسة ، فيه الجرأة ولكنّها جرأة مقرونة بالعقل واليقين القوى والتّروّي والتّبصّر في منتهاه ؛ أمّا المحاسن الأخرى فتعرفونها بالقياس إلى ما ذكر . هذا وإنّ ما ورد عندهم هو وما لدينا على طرفي نقيض في كلّ شيء ، ولا حاجة إلى مزيد قطّ ؛ فكذلك يليق بنا أن نقول فيهم . / 15 ولكنّ الأمر الّذي يجب بخاصّة الّا نغفله ، هو تأثير أقوالهم على نفوس السّامعين الّذين حملوهم على احتقار العالم وما فيه . إنّنا في ما يختصّ في إدراك الغاية أمام مذهبين : الأوّل منهما يجعل الغاية في لذّة الجسد ، والثّاني / يؤثر حسن الخلق والاعتدال على أنّ الرّغبة في كليهما من اللّه تأتي وبالله تربطنا ( كيف ؟ هذا أمر يجب أن نرجئه إلى حينه ) . مع العلم أنّ ابيقورس ، إذا ينفي العناية ، يوصينا بطلب الشّيء الوحيد الّذي يبقى وهو اللّذة والاستمتاع بها ؛ أمّا المذهب الّذي نحن في صدده ، / فهو في ذلك على جانب أشدّ من الوقاحة : يذمّ ربّ العناية والعناية نفسها ويلقي الشّتائم على كلّ السّنن المرعيّة في هذا العالم ، ويجعل عرضة للتهكّم ما هو ثابت على الدّهر كلّه منذ أوائله ، أعني الاعتدال ذاته والعفّة الّتي ترافقها ، بحيث أنّه لم يبق في هذا العالم حسن قطّ يشاهد ، فرفعوا بذلك التّعفّف وذلك الصّدق / الّذي فطرت عليه الأخلاق والّذي يدرك كماله عن طريق العلم والعمل وبوجه الإجمال كلّ ما يصبح به المرء صالحا مجتهدا . ونتيجة ذلك أنّه لم يبق له إلّا اللذّة وما يخصّهم هم لا ما يجمع بينهم وبين
تاسوعات أفلوطين — صفحة 180 | أفلوطين