تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
بحقائق الأمور ولم يسمعوا قطّ بالمعرفة العلميّة المحكمة الأصول ؟ / ذلك لأنّه ، إذا كانت أجسامها ناريّة ، يجب الّا يخاف منها ما دامت على توافق مع الكلّ ومع الأرض ، بل الأولى أن يوجّه النّظر إلى نفوسها إذ أن خصومنا يرون أنّهم بنفوسهم أهل للإجلال والإكرام . على أنّ أجسام الأفلاك ذاتها - فائقة العظم والحسن تساهم / مع الطّبيعة وتعاونها في محدثاتها الّتي ما تزال تنشأ ما دامت الأمور الأوّليّة ثابتة ، فيكتمل الكلّ بتلك الأجسام وهي فيه أجزاؤه العظمى . وإذا كان عالم الأنس أشرف ما في عالم الحيوان ، فناهيك بالشّرف العظيم الّذي تلك الأفلاك القائمة في الكلّ لا لتتحكّم فيه ظلما بل لتخلع عليه التّناسب والنّظام . أمّا ما يقال / عنه إنّه يحدث من تلك الأمور فإنّما هو في اعتقادنا دلائل على المستقبلات ، فيعلّل الاختلاف الواقع بين الحوادث بالاتّفاقات والمصادفات ( لأنّه ليس من الممكن أن تقع حول كلّ فرد من الأفراد قرائن واحدة لا تتغيّر ) أو بالظّروف الّتي تمّت أثناءها ، أو ببعد المسافة بين المناطق الّتي وقعت فيها ، أو بأحوال النّفوس . هذا وإنّه يجب الّا يفترضوا الصّلاح / عند النّاس كلّهم ثمّ يبادرون إلى الشّكوى لأنّ ذلك أمر مستحيل ، علاوة على أنّهم لا يرون فرقا بين عالمنا وعالم الملأ الأعلى ، ويعتقدون أنّ الشّرّ ليس إلّا قصر باع عن التّفطّن الكامل ، وهو الخير وقد أدركه النّقصان ولا يزال ماضيا في النّقصان شيئا فشيئا ؛ فمثل ذلك كمثل من يدّعى أنّ الطّبيعة الجامدة شرّ لأنّها ليست قوّة حسّيّة ، / وأنّ الإحساس شرّ لأنّه ليس العقل . وإلّا لأكرهوا على القول أيضا بأنّ في الملأ الأعلى شرورا إذ أنّ النّفس هنالك بعد الرّوح ، والرّوح بعد شيء آخر . 14 هذا وإنّهم ، من وجه آخر ، في مقدّمة من يغالي بنفي الصّفاء عن الرّوحانيّات في الملأ الأعلى . فإنّهم عندما يلفّقون الرّقّى ويصفونها بأنّها موجّهة إلى تلك الأمور ، وليس إلى النّفس فقط ، بل إلى فوقها أيضا ، فإن ما هم إليه إنّما هو تعوية لها وسحر عليها واستدعاء لها ، يزعمون من ورائه إخضاع العلويّات لأقوالهم / وسوقها بتلك الأقوال إذا ما تمّ لهم أن يتقنوا استخدام كلّ ذلك من غناء وصراخ وتنفّس وصفير في الصّوت إلى ما سواها من الحيل الّتي توصف بأنّها تسحر الأمور العلويّة . وإذا كانوا لا يعنون ذلك بما يقولون ، فكيف تؤخذ اللاجسديّات بالأصوات ؟ ومن ثمّ يجرّدون الأمور العلويّة من كلّ وقار إذ يلجئون إلى تلك السّبل ليجعلوا أقوالهم تظهر على جانب أقوى / من الرّصانة ، وهم عن ذلك غافلون . أمّا إذا قالوا أنّهم يطهّرون أنفسهم من الأمراض ، فنعم القول قولهم ما داموا يدّعون ذلك عن طريق التّعفّف والاعتدال في المأكل والمشرب ، وهو قول الفلاسفة أيضا . بيد أنّهم يشخّصون الأمراض ويتصوّرونها كائنات شيطانيّة ، فيدّعون لأنفسهم القدرة على طردها بالرّقّي ويندبون / أنفسهم لذلك ، فيحظون بالمهابة لدى العوامّ الّذين يؤخذون بقوى السّحرة ، ولكنّهم لن يقنعوا ذوي
تاسوعات أفلوطين — صفحة 179 | أفلوطين