فإنّ القبح من الزّوائد عند الرّجل وهو حسن في فطرته ؛ وما أكثر ما يمنع الفطرة من أن تدرك كمالها في هذه الحياة . أمّا العالم الكلّيّ ، فما الّذي يمنعه ، وهو قائم في الحسن ، من أن يكون حسن الباطن أيضا ؟ فإنّ ما لم تعطه الفطرة منذ بدايته أن يدرك كماله ، قد يحدث له الّا يدرك / ذلك الكمال ، ومن ثمّ غدا من المعقول أن يكون فاسدا ؛ أمّا الكون الكلّيّ فلم يكن قطّ من شأنه ما من شأن الصبيّ غير البالغ في أوّل أمره ، كما أنّه لم يتطوّر ولم ينم فيلتحق به شيء أو يزاد إلى جسده . وأنّى يكون له ذلك ؟ فإنّ فيه الأشياء كلّها . بل لا يتصوّرنّ أحد مثل ذلك النّموّ لنفس الكلّ . أو إذا تسامح به لخصومنا ، فعلى الّا يكون نماء ينطوي / على شرّ ما .
18 بيد أنّهم قد يدّعون أن أقوالهم تجعلنا نهرب من الجسد ما دمنا نحتقره على بعدنا منه ، في حين أنّ أقوالنا تلزم النّفس به . فلعمري ، ما أشبه ذلك بما يكون من رجلين يقيمان معا في بيت جميل فيذمّ أحدهما البناء / والباني ويبقى مع ذلك في البيت . أمّا الّذي لا يأتي بشكوى بل يمدح الباني على أنّه بنى بأشدّ ما يكون فنّا وإتقانا ، فإنّه يتوقّع قدوم الوقت الّذي فيه ينطلق بعد أن أصبح في غير حاجة إلى بيت ، فيظنّ أنّ الأوّل أوفر حكمة وأشدّ استعدادا للانصراف لأنّه عرف كيف يصف / أنّ الجدران مبنيّة من حجارة جامدة وأخشاب وينقصها الكثير ممّا يقوم به البيت حقّا ، وهو يجهل أنّ ما يميّزه إنّما هو عدم كونه صابرا على ضروريّات الحياة ، مع افتراض أنّه لا يتصنّع التّذمّر وهو يحبّ حسن الحجارة ويطمئنّ إليه . إنّنا ، ما دمنا في أجساد ، لا بدّ لنا من الإقامة في بيوت بنتها / نفس هي لأنفسنا أخت فاضلة توافرت لديها القدرة على الصّنع بدون كبير عناء . ثمّ وما ذا ؟ أفيرضون بأن يسمّوا أخوة أشدّ النّاس رداءة وينفون هذا الاسم عن الشّمس وعمّا في السّماء لا بل عن نفس العالم ؟ ما هذا الانقياد لهذر اللسان ؟ على أنّ من كان رديئا لا يجوز أن تصل القربى بينه وبين تلك العلويات ، بل من أصبح فاضلا وليس جسدا بل نفسا في جسد ، / وهي من القدرة بحيث تكون إقامتها في جسدها في أقرب الشّبه بإقامة نفس الكلّ في الجسم الكلّيّ . وهذا يعني عدم اللجوء إلى العنف ، والانقياد إلى اللّذات أو الرّغبات إذا طرأت من الخارج / والاضطراب أمام الشّدائد إذا قسيت . أمّا نفس الكلّ فهي في مأمن من كلّ صدمة إذ ليس من شيء ينالها منه صدمة ؛ أمّا نحن ؛ ما دمنا في هذا العالم ، فإنّنا باعتدالنا نستطيع أن نردّ الضّربات ، الّتي تخفّ وطأتها إذا اتّسع إدراكنا وتأخذ في الزّوال التّامّ إذا اشتدّت سواعدنا . فإذا ما اقتربنا هكذا / ممّا لا يناله خطب ومصاب ، تشبّهنا بنفس الكلّ وبنفوس الأفلاك ، وإذا أضحينا في هذا القرب من التّشبّه سعينا إلى ما تسعى إليه هذه العلويّات وتمّ لنا ما يتمّ لها في المشاهدة إذ أنّنا ، عند ذلك ، نكون قد أصبحنا نحن أيضا في الوضع اللائق بفضل ما فطرنا عليه وبفضل مجاهداتنا . أمّا العلويّات فإنّ كلّ ذلك مكفول لها منذ بداية
تاسوعات أفلوطين — صفحة 184
مساهمون: أفلوطين
ص١٨٤