موجّه إلى ذلك ، فلما ذا تشعّ هي وحدها ، ولا تفعل ما هو أقوى منها في عالم الأعيان ؟ وإذا أصبحت قادرة على الإشعاع عندما تلقّت صورة العالم المعنويّة وانطلاقا من هذه الصّورة ، فلما ذا لم تصنع العالم حالما أشعّت ، بل بقيت تنتظر / تولّد الآثار ؟ ثمّ إنّ الصّورة المعنويّة صورة العالم ، « أرض الغربة » على حدّ قولهم ، الّتي أحدثتها القوى الفائقة ، فيما يدّعونه أيضا ، أقول : إنّ هذه الصّورة لم تجرّ صانعها إلى الميل بوجهه نحو عالم السّفل . وأيضا كيف تصنع الهيولى ، إذا نوّرت ، آثارا ذات نفوس ، ولا تصنع بالأحرى أجسادا ؟ فإنّ أثر النّفس ليس / في حاجة إلى الظّلمة أو إلى الهيولى ، بل إنّه عند حدوثه ، إذا حدث ، يتبع صانعه ويبقى مرتبطا به .
وأيضا هل هذا الأثر ذات عين أم هو ، كما يقولون ، معنى ذهنيّ ؟ فإذا كان عينا ، فما الفرق بينه وبين ما جاء منه ؟ أما إذا كان نفسا من نوع آخر ، وكانت النّفس الأصليّة ناطقة ، فربّما كان هو النّفس النامية أو المولّدة ؛ / وإذا كان ذلك كذلك فكيف يكون الصّانع قد صنع « حتّى يحظى بالإكرام » مدفوعا « بالقحة والتّبجّح » ؟ فإنّ في ذلك نفيا مطلقا للصنع عن طريق التّصوّر وناهيك به نفيا للتفكير . فما الحاجة بعد ذلك إلى صانع يصنع من هيولى وأثر ؟ أمّا إذا كان الأثر معنى ذهنيّا ، فيجب أوّلا أن يدلّ على هذا الاسم من أين أخذ ؛ ثمّ كيف / يكون معنى ذهنيّا ، ما لم يعترف للمعنى الذّهنيّ بالقدرة على الصّنع ؟ بل إنّا نسلّم بهذا التّوهّم فرضا ، فكيف يتمّ الصّنع ؟
يقولون يكون هذا الأثر أوّلا ثمّ يليه ذلك ؛ ولكنّه قول ينبعث عن تحكّم ليس أكثر . فلما ذا تكون النّار هي الأولى ؟
12 ثمّ إنّ هذا الأثر إذا حدث ، كيف ينصرف إلى الصّنع ؟ أبأن يذكر الأمور الّتي رآها ؟
ولكنّه لم يكن موجودا حتّى يرى ، لا هو ولا الأم الّتي يجعلونها له . ثمّ كيف نستغرب ما يلي :
لقد يذهبون من ناحية إلى أنّهم هم بذواتهم ليسوا آثار نفوس جاءت هنا إلى هذا العالم ، بل هم نفوس حقّا ، ومع ذلك يكاد / لا يتمّ لواحد أو اثنين منهم إذا أجهد ذاته ، أن ينسحب من هذا العالم ويصل إلى التّذكّر فيدرك بالجهد استحضار الأشياء الّتي رأوها في ما مضى ؛ ثمّ يكون هذا الأثر فيتمّ له ، ولو بغموض كما يقولون ، أن يتصوّر ذاته تلك الأمور الرّوحانيّة ، هو أو أمّه وهي أثر هيولانيّ ، وليس يتم له فقط أن يتصوّر في ذاته / الأمور الرّوحانيّة وأن ينفذ إلى حقيقة هذا العالم وحقيقة العالم الأعلى ، بل أن يدرك أيضا الأصول الّتي يتكوّن هذا العالم منها ؟ ما الّذي دفعه إلى أن يصنع النّار أوّلا ؟ ألأنّه رأى أنّها لا بدّ منها أوّلا ؟ فلما ذا لم يكن كذلك شيء غير النّار ؟ بل إذا قدر على صنع النّار بعد أن وجدها في ذاته ، فلما ذا لم يتصوّر العالم ( فإنّ ما ينبغي أن يتصوّره أوّلا هو الكلّ ) / ولم يصنع ( العالم ) دفعة واحدة ؟ ذلك لأنّ وجدانه للعالم ينطوي على المعاني الجزئيّة الّتي يتألّف منها العالم . فإنّ الصّنع أقرب إلى عمل الطّبيعة ، وليس مثل
تاسوعات أفلوطين — صفحة 177
مساهمون: أفلوطين
ص١٧٧