ويدّعون مع ذلك بأنّ لديهم شيئا ، ثمّ إنّهم يتخيّلون أنّهم حصلوا على شيء ولم يحصلوا ، وأنّهم حاصلون وحدهم على ما ليسوا وحدهم حاصلين عليه .
10 إنّ من يمعن النّظر في كثير من نواحي مذاهبهم الأخرى ، لا بل في تلك النّواحي كلّها ، يجد مادّة واسعة لتبيان ذلك المذهب كيف هو أصلا . وإنّني ليعتريني شيء من الخجل إذ أذكر بعض أصحابنا الّذين كانوا قد ألمّوا بجانب من ذلك المذهب قبل أن يصبحوا أصحابنا ، ولست أدري لما ذا بقوا عليه . وإنّهم مع ذلك لا يتردّدون / - وهم يريدون أن يضفوا على آرائهم مظاهر الصّحّة الجديرة بالاعتقاد ، أو أنّهم يعتقدونها كذلك حقّا - فيقولون ما يقولون ؛ أمّا نحن فإنّ كلامنا هنا موجّه إلى خلّاننا الأوفياء ، لا إلى هؤلاء القوم ( لأنّه لن يزيدهم اقتناعا ) حتّى لا تتشوّش قلوبهم أمام خصوم لا يأتون بالأدلّة / ( وأنّى لهم ذلك ) بل يتبجّحون بما ليس لديهم ؛ على أنّ ثمّة وجها آخر في القول إليه يعمد من كتب ليردّ على هؤلاء الّذين تجرّؤوا فاستهزؤوا من أقوال القدامى والرّبّانيين ، وهي نعم الأقوال أدركوا بها عين الصّواب . فالواجب أن ندع إذا هذا البحث جانبا ، إذ أنّ في ما سبق ذكره كفاية للذين / فهموه فهما دقيقا حتّى يعرفوا أيضا ما هي حقيقة تلك الآراء كلّها ؛ على أنّه لا بدّ من الإتيان على ذكر قول فاق كلّ أقوالهم حمقا إذا جاز لنا أن نسمّي ذلك حمقا . يدّعون إذا أنّ النّفس مالت بوجهها إلى عالم السّفل مع نوع من الحكمة ، سواء أكان ذلك مبادرة من النّفس ذاتها ، أو أن تلك الحكمة / كانت هي السّبب ، أو لأنّهم يعنون بالنّفس والحكمة شيئا واحدا ؛ ثمّ إنّ النّفوس الأخرى ، فيما يقولون أيضا ، هوت كلّها معا بمعنى أنّها أبعاض للحكمة فاتّخذت الأجساد لبوسا لها ، ومنها أجساد الأنس مثلا ؛ أمّا النّفس الّتي من أجلها هبطت النّفوس ، فيدّعون أنّها لم تهبط ، كأنّها لم تمل بوجهها نحو عالم السّفل ، بل اكتفت بأن تشعّ في / الظّلام ، فكان من ذلك أثر في الهيولى . ثمّ يجعلون أثرا لذلك الأثر في ناحية من نواحي عالمنا حدث بوساطة الهيولى أو « الهيوليّة » ، أو شيء آخر مهما يكن الاسم الّذي يريدونه له ( فإنّهم يدّعون أنّ هذه شيء وتلك شيء آخر ، ويذكرون أسماء أخرى كثيرة لما يدّعونه ، قصد اللبس والتّمويه ) فيولّدون ما يعرف عندهم بالصّانع . / فيجعلونه يتباعد عن أمّه ، ويدّعون أنّ العالم منه حتّى آخر أثر من الآثار الّتي تكوّنه عالما .
11 وأوّلا إذا لم تنزل النّفس ، بل أشعّت في الظّلام ، فأين الصّواب في القول بأنّها مالت بوجهها نحو عالم السّفل ؟ فإذا سرى منها شيء مثل النّور ، فلا يليق بأن يقال أنّها مالت فعلا بوجهها نحو عالم السّفل ؛ إلّا إذا كان شيء ما قائما في ناحية من نواحي عالم السّفل ، فأقبلت إليه هي بحركة مكانيّة ، واقتربت منه فأنارته . / وإذا بقيت في ذاتها وأشعّت وهي لم تأت بعمل
تاسوعات أفلوطين — صفحة 176
مساهمون: أفلوطين
ص١٧٦