الأعلى ؟ وإذا كانت تصنع / بتذكّرها ما هنالك ، فإنّها لم تهو قطّ حتّى ولو لم يتمّ لها صفاء الذكر . أوليس حينذاك أحرى أن تميل نحو الملأ الأعلى حتّى لا تتعكّر رؤياها ؟ ولما ذا لا تريد أن تعود إليه ولديها ما لديها من ذكراه ؟ ما عساها أن تتصوّر فيما يحدث لها من وراء صنع العالم ؟
إنّنا لجديرون بأن يسخر منّا إن ظننّاها فعلت حتّى توفّر لها الإكرام ، فنكون قد نقلنا إليها أوصافا أخذناها من صانعي التّماثيل في عالمنا . ثمّ إنّها لو صنعت عامدة إلى التّفكير وما كان لديها من تلقاء / ذاتها أن تصنع ولا القدرة على الصّنع ، فكيف تكون قد صنعت عالمنا هذا ؟ ومتى تعدمه ؟
وإذا كانت نادمة على ما فعلت ، فما ذا تنتظر ؟ أمّا إذا كانت لم تندم بعد ، فإنّها لن تندم ، بل إنّها قد أضحت وهي مستأنسة بالعالم ، وازدادت حبّا على مرّ الزّمن . وإذا كانت تنتظر النّفوس الفرديّة المفارقة للأبدان ، / فالثّابت الآن أنّه ينبغي الّا تعود تلك النّفوس إلى صيرورة الأبدان ، بعد أن ذاقت ما ذاقته ، أثناء صيرورتها الأولى ، من شرور عالمنا ؛ فمن شأنها الآن أن تمسك عن القدوم إليه . كما وأنّنا يجب الّا نسلّم بأنّ عالمنا كان سعيا خائبا لكثرة ما فيه من الشّواذ ؛ فإنّنا نقدّره بأعظم ممّا هو أهل له ، إذا افترضناه مساويا العالم الرّوحانيّ ، في حين أنه ليس إلّا صورة عن هذا العالم . / وهل له من صورة أخرى تفوقها حسنا ؟ أيّة نار تحاكي نار الملأ الأعلى بخير ممّا تحاكيها نار عالمنا ؟ وأيّة أرض غير أرضنا بعد الأرض الّتي هنالك ؟ وأيّة أرض غير أرضنا بعد الأرض الّتي هنالك ؟ وأيّة كرة أدقّ تدويرا وأسمى مقاما وأشدّ انتظاما مع حركتها بعد كيان العالم الرّوحانيّ ثابتا / في ذاته ؟ وهل من شمس أخرى ، بعد الشّمس الرّوحانيّة ، فوق الشّمس الّتي نراها ؟
5 إنه لهذيان أنّ لهؤلاء القوم أجسادا مثل أجساد النّاس ، وفيهم الشّهوة والألم والغضب ، ولا يحتقرون ما لديهم من قدرة ، بل يدّعون أنّ الاتّصال بالعالم الرّوحانيّ متاح لهم ، ثمّ يذهبون بعد ذلك إلى أنّه ليس في الشّمس قدرة تفوق قدرتنا تنزّها عن الانفعال ، واستقرارا في النّظام وخلوّا من التّبدّل ، / وليس لديها إدراك يفوق ما لدينا نحن الّذين من الأمس والّذين طالما تقف الأوهام حائلة بيننا وبين وصولنا إلى الحقّ ؛ كما أنّهم يدّعون لكلّ منهم نفسا خالدة وربّانيّة ويسلّمون بوجودها حتّى عند النّاس أشقاهم ، أمّا السّماء كلّها وكواكبها ، فلا حظّ لها ، عندهم ، / من تلك النّفس الخالدة على كون تلك الأمور فوق البشر بكثير حسنا وطهارة مع أنّهم يرون هنالك وضعا قائما في النّظام وحسن المشهد والتّساوق المحكم ، وهم أشدّ النّاس تشكّيا من اضطراب أوضاعنا هنا على وجه الأرض ، فكأنّ تلك النّفس الخالدة تسعى جاهدة إلى الاستئثار بهذا العالم الأسفل ، وتؤثر أن تتخلّى / للنفس الفانية عن العالم الأفضل . وإنّه لهذيان أيضا أن يقحموا فيهم تلك النّفس الأخرى الّتي يتصوّرونها مؤلّفة من العناصر ؛ فكيف يكون لما يقوم في التّركيب من عناصر حياة ما مهما يكن نوعها ؟ فإنّ تأليفا بين كلّ ذلك إنّما يحدث شيئا
تاسوعات أفلوطين — صفحة 169
مساهمون: أفلوطين
ص١٦٩