الأعيان ، وطورا يهوي أسقط ما فيها فيجرّ معه النّاحية المتوسّطة منها ، لأنّه لا يباح له أن يجرّها كلّها . وإنّ النّفس لتصاب بهذا المصاب / لأنّها لم تثبت في عالم الحسن . إنّما تقيم في هذا العالم النّفس الّتي ليست جزءا منا ولسنا نحن جزءا منها ، وهي الّتي تيسّر للجسم الكلّيّ أن يحصل هو أيضا على قدر ما يستطيع أن يتلقّى منها ، وتبقى هي ساكنة لا تضطرب ، فلا تعمد إلى إجهاد الفكر لتدبّر أمرا وتسدّد شيئا ، بل ترتّب وتنظّم بقوّة عجيبة عن طريق مشاهدتها لما هو قبلها وفوقها . / فإنّها تزداد حسنا وقوّة بقدر ما تكون مستغرقة في تلك المشاهدة ؛ وما دامت تأخذ عنها ، فإنّها تمدّ ما بعدها ، فتنيره مثلما إنّها منارة دائما .
3 ما دامت منارة إذا ، حاصلة على النّور أبدا ، فإنّها تمدّ به ما يليها فيحفظ ويزدهي بفضل ذلك النّور ، ويحظى بالحياة على قدر ما في إمكانه أن يأخذ منها ؛ مثل ذلك مثل ما يتمّ إذا جعلت نارا في وسط محلّ ما فيحصل الدّفء للّذين حولها على قدر وسعهم . ولكنّ النّار إنّما هي خاضعة للقدر وللحدّ ، أمّا إذا كانت قوى / لا حدّ لها ، ولم تسحب من عالم الأعيان ، فكيف يمكن أن تكون بدون أن تمدّ غيرها من ذواتها ؟ بل يعطي كلّ شيء ما له غيره حتما ؟ وإلّا فليس الخير خيرا ، ولا الرّوح روحا ، ولا النّفس ما هي عليه ، ما لم يكن ، بعد ما هو الحيّ أصلا ، شيء يحيا بحياة فرعيّة تدوم ما دام حاضرا ما هو الحيّ / أصلا . فإنّ الأمور تتوالى دائما أمرا بعد أمر ؛ وإذا كانت الفرعيّة منها متولّدة فبمعنى أنّها من غيرها . ومن ثمّ ، فلم ينفكّ تولّدها ، بل إنّ ما يوصف منها بأنّه تولّد ، إنّما لا يزال يتولّد وسيظلّ يتولّد أبدا ، ثمّ لا يفسد منها إلّا ما ينطوي على عناصر ينحلّ إليها ، فما ليس ينطوي على شيء ينحلّ إليه ، لا يفسد . وإذا قيل أنّها تنحلّ إلى الهيولى ، فلما ذا / لا نجعل الهيولى تنحلّ أيضا ؟ وإن قيل أنّ الهيولى تنحلّ أيضا ، فلما ذا ندّعي إنّها يجب أن تكون حتما ؟ وإن ادّعوا أنّها أمر لازم حتما ، فهي لا تزال الآن أيضا لازمة . وإذا تركت على حيالها بدون مثال ، فليست الرّبّانيّات في كلّ مكان ؛ أنّما هي في محلّ محدود ، وكأنّها وراء أسوار . وما دام ذلك أمرا مستحيلا ، فإنّ الهيولى تبقى أبدا / منارة .
4 إن قيل أنّ النّفس هي الّتي صنعت الكلّ بعد فقدانها أجنحتها ، فإنّ نفس الكلّ لا يصيبها شيء كذلك ؛ وإن قيل أنّها فعلت بعد سقوطها ، فليدلّوا على سبب سقوطها . ومتى سقطت ؟ فإذا سقطت منذ الأزل ، فإنّ قولهم يقتضي أن تبقى دائما ساقطة ؛ وإذا كان لسقوطها بداية ، فلما ذا لم / يتمّ هذا السّقوط قبل الحين الّذي تمّ فيه ؟ أمّا نحن فلسنا نقول بأنّ الّذي صنع هوهويّ النّفس إلى الهيولى ، بل بطلان ذلك الهويّ . لأنّ النّفس إذا هوت ، فإنّها هوت لنسيانها العلويّات ؛ وإذا نسيت ، فكيف تصنع ؟ أنّى لها أن تصنع شيئا إلّا استمدادا ممّا رأته في الملأ
تاسوعات أفلوطين — صفحة 168
مساهمون: أفلوطين
ص١٦٨