تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
الصّانعة تقوم مقام صاحب القصد والنّيّة - فيرون أنّه ، في نظر أفلاطون ، هو الصّانع ، وشتّان ما بينهم وبين أن يعرفوا من هو الصّانع . إنّهم ، إجمالا ، على ضلال في وجه تأويلهم للصنع ولما سواه عن الأمور الكثيرة ، / فيؤوّلون تعاليم الرجل على أسوأ معانيها مدّعين أنّهم هم الّذين فهموا حقيقة العالم الرّوحانيّ ، وليس أفلاطون ولا سواه من الرّجال الأفاضل . إذ ذكروا عددا وافرا من الرّوحانيّات ظنّوا أنّهم ، في اعتقاد النّاس ، قد وجدوا الحقّ الصّراح ، وهم بتلك الكثرة يزيدون الشّبه بين الرّوحانيّات من جهة والحسّيّات والدّنيويّات من الجهة الأخرى ، / في حين أنّ الواجب في ما يتعلّق بالرّوحانيّات ، أن نتحرّى القلّة في العدد ما أمكن الأمر ، فنجعل الأشياء كلّها في ما هو بعد الأوّل تخلّصا من الكثرة ، فيكون ما يلي الأوّل هو الأشياء كلّها والرّوح الأوّل والذّات وكل ما سوى ذلك ممّا يقوم ثابتا في الحسن بعد الأوّل . ثمّ تأتي النّفس أمثولا في المقام الثّالث ؛ أمّا فوارق النّفوس فإنّما نتبيّنها في انفعالاتها وطبائعها ، / فلا نطعنّ قطّ في هؤلاء الرّجال الرّبّانيّين ، بل نتقبّل آراءهم عن رضى على أنّها آراء الأوائل ، ونأخذ عنهم ما أحسنوا القول فيه : خلود النّفس ، عالم الرّوح ، الرّبّ الأوّل ، واجب النّفس في أن تهرب من عثرة الجسد ، انفصالها / عنه ، هربها من عالم الصّيرورة إلى عالم الذّات . فإنّ كلّ هذه الأمور واردة بوضوح عند أفلاطون ؛ وإذا ما قالوا بها هي هي فنعم ما يفعلون . وإنّنا لا نريد قطّ سوءا بالّذين يحاولون أن يحيدوا عن تلك الأقوال إذا طلبنا منهم الّا يلجئوا إلى الطّعن بالإغريق والتّطاول عليهم ليجعلوا أقوالهم ثابتة لدى مستمعيهم ، / بل أن يبيّنوا صحّة هذه الأقوال ذاتها ، في ما يدّعون منها أنّه خاصّ بهم ، وظهر لهم على خلاف ما لدى الإغريق ، فيبسطوا آراءهم بنعومة الذّوق وسماحة الفلسفة ، ويذكروا ما يخالفها مقسطين عادلين ، وينظروا إلى الحقّ ، ولا يحاولوا أن يحرزوا لهم شهرة من وراء نقد يوجّهونه إلى قوم حكم لهم بالفعل والصّلاح / منذ القدم رجال لا ينكر مقامهم ، فيدّعوا أنّهم هم خير من هؤلاء القوم . هذا من العلم بأنّك لن تجد أقوالا أعظم ولا أسمى من أقوال القدامى في الرّوحانيّات ، فهي قائمة على أسس علميّة ، وتسهل معرفتها على من لم يغوه الضّلال المنتشر بين النّاس . / وإنّ ما أخذه أصحابنا فيما بعد من هؤلاء القدامى ، إنّما أخذوه مع بعض زيادات ليس لها من سلامة الذّوق نصيب ، وذلك في النّواحي الّتي أرادوا أن يعارضوهم بها إذ أدخلوا في الرّوحانيّات أنواعا من وجوه الكون والفساد ، وأخذوا يتنقّصون هذا العالم الكلّيّ ، ويذمّون النّفس على اجتماعها بالجسد ، وينتقدون مدبّر عالمنا هذا ، / ويذهبون إلى أنّ الصّانع هو واحد مع النّفس ، وينسبون إليه من الانفعالات ما يلازم النفوس الجزئيّة . 7 لم يكن لهذا العالم بداية ولن يكون له نهاية ، بل هو دائما باق ما دام عالم الرّوح باقيا :