الرّوح والنّفس . كما أنّه لا ينبغي ، لأجل ذلك ، أن نفترض أرواحا كثيرة ، فإذا كان ثمّة الأصل الّذي يعرف ، كان أيضا الأصل الّذي يعرف أنّه يعرف . فإنّه وإن كانت الأوضاع تقتضي أن يكون العرفان شيئا والعرفان بالعرفان شيئا آخر ، فإنّ الكلّ ، مع ذلك ، مشاهدة واحدة غير / غافلة عن أعمالها ؛ ومن الحمق أن نفترض شيئا من ذلك القبيل في الرّوح الحقّ ؛ بل الواجب مطلقا أن يكون ما يعرف هو هو الّذي يعرف أنّه يعرف . وإلّا كان لدينا ما يعرف من ناحية ومن الناحية الأخرى ما يعرف أنّه يعرف وهو شيء آخر ، وليس ذلك الّذي استوى في حال العرفان . فإن قيل أنّ هذا التّمييز / قائم في الذّهن ، أجبنا : إنّ في ذلك القول عدولا عن الاعتراف بكثرة الأقانيم ، هذا أوّلا . ثمّ إنّه لا بدّ ، بعد ذلك ، من البحث فيما إذا كان للذهن مجال للتسليم بروح يعرف فقط ، وهو لا يتعقّب ذاته ليحكم بأنه يعرف ؛ وهو أمر لو تمّ حتّى علينا نحن الّذين نراقب دائما رغباتنا وأفكارنا لنرى إذا كانت على جانب من الاعتدال ، / أقول إنّه أمر لو تمّ علينا لعرّضنا إلى أن نتّهم بالحمق . أمّا إذا كان الرّوح الحقّ يعرف ذاته أثناء إدراكاته العرفانيّة ، ولا تكون عارفته غريبة عنه ، بل تكون هو وعارفته شيئا واحدا ، فإنّه حتما في أثناء عرفانه إنّما يملك ذاته ويرى في أثناء عرفانه ؛ وإذا رأى ذاته ، رآها عارفة لا غير عارفة . ومن ثمّ فإنّ العرفان الأصليّ / هو أيضا عرفان بحال العرفان ، على أنّهما شيء واحد ، فليس ثمّة اثنينيّة حتّى في الأذهان . علاوة على أنّه إذا كان الرّوح أبدا في حال العرفان لما هو عليه ، فأين المجال لتمييز بالذّهن يفصل العرفان عن المعرفة بحال العرفان ؟ وإذا أقحم أحدهم تمييزا بالذّهن ثالثا إلى جانب التّمييز الذّهنيّ الثّاني الّذي يدّعي بأنّه يعرف حال العرفان / ، فيدّعي لذلك التّمييز الثّالث بأنّه معرفة العرفان على العرفان ، كان الحمق في ذلك أشدّ وأظهر . فلما ذا لا يمرّ الأمر كذلك إلى غير نهاية ؟ أمّا العقل ، فإذا ما جعلناه خارجا من الرّوح ، ثمّ تصوّرنا شيئا آخر يختلف عن هذا العقل ناتجا عنه يحدث في النّفس بحيث يكون ذلك الشّيء بين النّفس والرّوح ، أقول : إذا ما فعلنا ذلك ، حرمنا النّفس من العرفان إذ أنّها لا / تتلقّى العقل من الرّوح ، بل من ذلك الأمر الآخر القائم بينها وبين الرّوح ؛ ويكون لديها حينذاك أثر للعقل ، لا العقل ، فلا تدرك الرّوح مطلقا ، ولا تعرف قطّ .
2 فالواجب إذا الّا نفترض شيئا زائدا على ما ذكرناه ، والّا نجعل تمييزات ذهنيّة لا طائل فيها حيث ليس لها محلّ ، بل حسبنا الرّوح الواحد ، الباقي هو هو كما هو عليه ، لا ميل فيه إلى ناحية قطّ ، يحاكي أباه ما استطاع إلى ذلك سبيلا . أمّا نفسنا فهي متّجهة في ناحية منها نحو عالم الرّوحانيّات ، وفي ناحية ثانية نحو عالم الحسّيّات ، وهي في ناحية ثالثة بين هذا / وذاك ؛ إنّها شيء ذو وحدة وذو قوى مختلفة ؛ فتارة تتجمّع هذه النّفس كلّها في خير ما فيها ، وهو خير ما في
تاسوعات أفلوطين — صفحة 167
مساهمون: أفلوطين
ص١٦٧