تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤

الفصل الثامن ( 35 ) لما ذا تظهر الأشياء صغيرة إذا بعدت ؟

1 هل تظهر الأشياء البعيدة أصغر ممّا هي عليه ، وإذا عظمت المسافة بيننا وبينها ، هل يبدو قليلا ما يفصلنا عنها ؛ في حين أنّ ما قرب منّا يظهر على ما هو عليه بمقداره ، وعلى المسافة الّتي يبعد بها عنّا ؟ إنّ الشّيء البعيد يبدو للناظر أصغر ممّا هو عليه : إمّا لأنّ النور يريد أن يتقلّص لينصبّ في العين ويكون في سعة حدقتها ، / وبقدر ما تكون هيولى الشّيء المبصر بعيدة آنذاك ، يصل الأمثول وكأنّه مجرّد عمّا ليس هو بعد أن أصبح الكمّ نفسه مع الكيف أمثولا ، بحيث يكون معنى بذريّ الشّيء هو الّذي يصل وحده إلى النّظر . وإمّا ثانيا لأنّ المقدار يجتاز المسافة ويقبل إلينا فندركه جزءا جزءا بما هو عليه ؛ / ومن ثمّ لا بدّ من أن يكون حاضرا وقريبا حتّى يعرف بما هو عليه ؛ وإما لأنّ المقدار يدرك بالعرض ويكون اللون هو الّذي يدرك أصلا ، فإذا قرب الشّيء أدرك في قدره الملوّن ، وإذا بعد أدرك أنّه ملوّن ، بيد أنّ أجزاءه ، على تمايزها كمّا ، لا تمكّن من إدراك / الكمّ إدراكا واضحا إذ أنّ ألوانها تقابلنا وهي مغشيّة الجوانب . ( ولما ذا العجب إذا تضاءلت المقادير مثلما تتضاءل الأصوات ، بقدر ما يزداد أمثولها غموضا أثناء انتشاره ؟ فإنّ السّمع أيضا يطلب أمثوله ، وإنّما يدرك المقدار بالعرض . ولكن يجوز التّساؤل فيما إذا كان السّمع يدرك المقدار / بالعرض ؛ وهل يبدو لنا المقدار أصلا في الصّوت ، مثلما تبدو لنا المبصرات باللمس ؟ فإنّ ما يدركه السّمع من حيث أنّه يبدو مقدارا لا يدركه بحسب الكمّ ، بل بحسب الزّيادة والنّقصان ؛ فلا تدرك الحدّة مثلا بالعرض ، كما أنّ الذّوق لا يدرك شدّة الحلاوة بالعرض . أمّا / مقدار الصّوت حقّا فهو ما يرتبط بالكمّ ، وهو أمر قد يستدلّ عليه بحدّة الصّوت ويدرك بالعرض ، ولكن لا يكون هذا الإدراك إدراكا دقيقا . وإنّ لكلّ صوت حدّة تبقى هي هي ، ثمّ إنّ للصوت من الحدّة ما يتّسع معه ويمتدّ إلى كلّ المحلّ الّذي يشغله ) . هذا وإنّ الألوان لا تصغر بل تصبح مغشيّة الجوانب ، أمّا المقادير فتصغر . بيد أنّ بين الطّرفين أمرا مشتركا / وهو حال النّقصان : فالنّقصان في اللون هو الغشاوة ، والنّقصان في المقدار هو الصّغر ، ويتبع المقدار اللون فينقص بنقصانه عن طريق تناسب طرديّ . وهذا واقع يظهر
تاسوعات أفلوطين — صفحة 164 | أفلوطين