محلّ ومع الماء في محلّ آخر . ولكن ما المانع من / أن يتمّ هنا مثل ما يتمّ بين جسمين يعطي أحدهما الآخر من كيفه أو يتلقّى من لدنه ذلك الكيف ، فيصحّ الأمر نفسه على المقدار أيضا ؟ ذلك لأنّ الكيف إذا انضمّ إلى كيف ، لا يبقى هو هو ، بل أصبح مع الكيف الآخر ، وفي كونه مع الآخر انتفت عنه براءته ، فليس هو هو في كماله ، بل أصبح شيئا مبهما مغشيّ الجوانب ؛ أمّا المقدار إذا انضمّ إلى مقدار آخر ، فإنّه / لا يزول . وقد يقول قائل متسائلا : كيف يقال أنّ الجسم إذا اجتاز الجسم اجتيازا كاملا حوّله قطعا مقطّعة ؛ مع أنّا نذهب نحن أيضا إلى أنّ الكيف يجتاز الأجسام ولا يحدث فيها قطّ تقطيعا ؟ إلّا أنّا نقول بذلك لأن الكيف ليس بجسم . ولكن إذا لم تكن الهيولى كالكيف جسما أيضا ، فلما ذا لا / يتمّ الاجتياز على الوجه نفسه للهيولي مع الكيف ، إذا كان الكيف بحيث قلّت أنواعه ؟ أمّا أنّها لا تجتاز الجوامد فذلك لأنّ للجوامد كيفا يحول بينها وبين الاجتياز . ثمّ أليس الوجه في القول بأنّ الكيف إذا تكاثرت أنواعه استحال عليه أن يقوم بهذا العمل مع الهيولى ؟ فإذا كانت كثرة / أنواع الكيف هي التي تجعل الجسم موصوفا بالكثافة ، كانت هذه الكثرة سببا لمنع الاجتياز ؛ أمّا إذا كانت الكثافة كيفا خاصّا ، مثل الّذي يسمّى الجسميّة ، فهذا الكيف الخاصّ هو المانع من الاجتياز . ومن ثمّ ، فإنّ الّذي يتمّ به المزيج ليس الكيف من حيث أنّه كيف ، بل من حيث أنّه كيف من نوع خاصّ ، كما أنّه ليس صحيحا أنّ الهيولى لا تقبل الامتزاج من حيث أنّها هيولى ، بل من حيث أنّها هيولى مع ذلك النّوع الخاصّ من الكيف ، / ولا سيّما أن ليس للهيولي مقدار خاصّ ، بل ليس لها من المقدار إلّا ما لا تطيق به رفض المقدار . هذا وحسبنا ما ذكرناه في حلّ هذه المشكلات .
3 ثمّ إنّنا ، ما دمنا قد أتينا على ذكر الجسميّة ، لا بدّ لنا من البحث فيما إذا كانت الجسميّة ما يتقوّم من تآلف خواصّ الجسم كلّها أو كانت الجسميّة أمثولا ومعنى بذريّا ما إذا استقرّ في الهيولى أخرج الجسم . فإذا كان ما هو الجسم ذلك الأصل الّذي يتقوّم من تآلف أنواع الكيف كلّها مع الهيولى ، فالجسميّة هي ذلك الأصل . / أمّا إذا كانت الجسميّة ذلك المعنى البذريّ الذي إذا أقبل على الجسم يحدثه بما أحدثه ، فواضح أنّ ذلك المعنى البذريّ يحتوي ضمنيّا أنواع الكيف كلّها . وينبغي حينئذ في ذلك المعنى البذريّ ، إذا لم يكن بمنزلة الحدّ الرّسميّ لماهيّة الشّيء فقط ، بل كان معنى بذريّ يقوم الشّيء به ، أقول ينبغي فيه الّا يتضمّن الهيولى ، بل أن يكون معنى بذريّ مرتبطا بالهيولى / في قوامه . فإذا استقرّ في الهيولى ، استقام الجسم به ، فكان الجسم هيولى معنى بذريّ ثابتا فيها ؛ بيد أنّ هذا المعنى البذريّ أمثول يتصوّر مجرّدا في حدّ ذاته دون هيولى ، وإن كان لا يتمّ له قطّ أن يكون هو بذاته مفارقا منعزلا عن الهيولى . فإنّ الأصل المفارق شيء آخر قائم في الرّوح ؛ وإنّما هو قائم في الرّوح لأنّه هو أيضا روح . ولكنّ هذا بحث ندعه لمقام آخر . /
تاسوعات أفلوطين — صفحة 163
مساهمون: أفلوطين
ص١٦٣