الممتزجة يقبل حاملا معه هيولاه الخاصّة . إنّما يعوزها مع ذلك شيء ما ثابت في وحدته / تستوي عليه ، وإن شئنا فلنقل وعاء أو محلّ ؛ لكن المحلّ متأخّر عن الهيولى والأجساد ، ومن ثمّ فإنّ أوّل ما تحتاج إليه الأجساد هو الهيولى . ولا يصحّ القول بأنّه ما دامت الأفعال والأعمال لا هيولى لها ، فكذلك أيضا ينبغي أن تكون الأجساد ؛ فإنّ الأجساد مركّبة ، أمّا الأعمال فليست كذلك . هذا وإنّ الهيولى تمدّ العامل ، أثناء انصرافه إلى عمله ، / بما يستوي عليه ذلك العمل ؛ على أنّها تبقى هي في العامل ولا تتخلّى للعمل عن شيء منها ، لأن العامل نفسه لا يطلب ذلك .
فضلا على أنّ العمل ليس هو الّذي يتحوّل منه إلى غيره ، فيكون حينئذ حقّا للأعمال هيولى ، بل إنّه العامل الّذي ينتقل إلى عمل آخر بعد انتهائه من العمل الأوّل ، فيكون هو الهيولى لأعماله . /
إنّ وجود الهيولى إذا أمر لا بدّ منه حتما لوجود للكيف والحجم . ومن ثم لوجود الأجساد أيضا ؛ فليست اسما خاليا من المعنى ، بل إنّها ما تستوي عليه الصّور ، ولو كان أمرا غير مرئيّ وغير محجّم . فلو لم تكن ، لنفينا أيضا ، للعلّة ذاتها ، الكيف والحجم ، لأنّ كلّ ما كان من هذا القبيل هو أهل لأن يوصف بأنّه ليس شيئا إذا / اتّخذ وحده في ذاته . وإذا ثبت الوجود لهذه الأمور ، على كونه وجودا مغشيّ الجوانب ، فالهيولى أحرى بأنّ تثبت ، ولو لم تكن ظاهرة للعيان لأنّها لا تنالها الحواس . فإنّها لا تدرك بالبصر إذ لا لون لها ، ولا بالسّمع إذ لا صوت لها ، كما أنّها لا تدركها حواسّ الذّوق ، لا الأنف ولا اللسان . أو تدرك باللمس إذا ؟ كلّا / ! لأنّها ليست جسدا ، إذ اللمس لمس الجسد ، لأنّه لمس الكثيف أو الشّفيف ، الليّن أو الصّلب ، الرّطب أو اليابس ، ولا شيء من ذلك في الهيولى ؛ إنّما تدرك بتعليل ، لا من الرّوح ، بل هو تعليل يسترسل باطلا ؛ ولذلك كان تعليلا فاسد الأصل ، كما قيل . بل إنّها ليست من الجسمية قطعا ؛ أمّا من حيث أنّها بنية عقلية ، فإنّها تختلف عن الهيولى ، وهي إذا شيء آخر ؛ وأمّا من حيث / أنّ لها فعلا تفعله في الهيولى ، وكأنّها امتزجت بها ، فإنّها وأيم الحقّ أصبحت جسدا عند ذلك وليست هيولى فقط .
13 إذا كان ما تقوم عليه الصّور كيفا ما يشترك فيه كلّ عنصر من العناصر ، فالواجب أوّلا أن يقال عن ذلك الكيف ما هو ؟ ثمّ كيف يكون الكيف ما تقوم عليه الصّور ؟ كيف نتصوّر ذهنا الكيف في ما لا حجم له ، وهو ليس معه هيولى ولا حجم ؟ وإذا كان الكيف شيئا معيّنا ، كيف يكون هيولى ؟ وإذا / كان مبهما غامضا ، فليس كيفا ، بل هو حامل الصور والهيولى المطلوبة .
فلما ذا لا تكون الهيولى بلا كيف على أنّها في حد ذاتها لا تشارك غيرها بشيء ، ولكن على أنها أيضا ( بموجب وضعها ذلك أي بموجب انتفاء مشاركتها غيرها بشيء ) ، هي ذاتها كيفا لها خاصّة ما ، بالمعنى المطلق التّامّ ، تميّزها عن الأمور الأخرى ، وهي ان جاز لنا القول : الحرمان من
تاسوعات أفلوطين — صفحة 147
مساهمون: أفلوطين
ص١٤٧