تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
المعنى ، الّا يتداخلا ولو بالقوّة . فإن كان بينهما ما بين الأنف الأفطس والأفطس كان كلّ منهما بوجهين ، ودلّ كلّ منهما على شيئين متمايزين ؛ أمّا إذا كان بينهما ما بين النّار والحرارة ، فما دامت الحرارة ثابتة في النّار ، وما دامت النّار لا يتضمّنها مفهوم الحرارة ، وكانت الهيولى حرمانا بمعنى كون النّار حارّة ، أصبح الحرمان كأنّه مثالها ، / وكأنّ محلّ الحرمان أمرا يختلف عن الحرمان ، فوجب أن تكون الهيولى هي ذلك الأمر . فإذا كان ذلك كذلك لم يكن الحرمان والهيولى أمرا واحدا . ولعلّ الأمر إذا كان كذلك - أعني كون الهيولى والحرمان واحدا قواما واثنين ذهنا - فبمعنى أنّ الحرمان لا يدلّ على أنّ شيئا أصبح حاضرا ، بل غير حاضر ، وكأنّ ما يكون الحرمان نفيا لما هو موجود حقّا ؛ مثلما أنّ القائل إذا قال : « ليس الشّيء في الأعيان » ، لا يتضمّن نفيه إسناد شيء / إلى شيء بل يقول فقط « إنّ الشّيء ليس في الأعيان » ؛ فالحرمان هكذا بمنزلة الليس . وإذا كانت عبارة « ليس في الأعيان » لا تدلّ على الأيس بل على شيء غيره ، فإنّ ثمّة مفهومين ، مفهوم يتعلّق بالحامل ، ومفهوم الحرمان الّذي يدلّ على وضع هذا الشّيء في مقابل الأمور الأخرى . ألا وإنّ في معنى الهيولى علاقة بالأمور الأخرى ، كما أنّ في الحامل أيضا / علاقة بالأمور الأخرى . فإذا دلّ معنى الحرمان على غموض الهيولى وإبهامها ، فربّما كان ، وهو كذلك ، هو الّذي يتعلّق بالهيولى ؛ غير أنّه لا يزال الأمران واحدا قواما ، واثنين بالمفهوم . ومع ذلك ، إذا كان في الإبهام والغموض ، وفي عدم الانضباط ضمن نطاق معيّن ، وفي غياب الكيف ، ما يجعل الحرمان هو والهيولى أمرا واحدا ، فكيف لا يزال المعنيان متباينين ؟ / 15 لا بدّ إذا من البحث أيضا فيما إذا كان عدم النّهاية ، وإذا كان عدم التّحديد أمرين يطرءان على الهيولى بمعنى أنّهما عرضان على طبيعة تختلف عنهما ، ثمّ كيف هما عرضان ، وفيما إذا كان الحرمان في الهيولى أمرا بالعرض أيضا . فنقول : إذا كان كلّ عدد وكلّ تناسب عدديّ خارج نطاق اللا نهاية - ( فإنّ الأمور الأخرى تستمدّ منهما حدودها ونظامها وترتيبها ، / إذ أنّ الّذي يحدث التّرتيب في تلك الأمور ليس التّرتيب ولا النّظام ، بل الشّيء المرتّب شيء والأصل المرتّب شيء آخر ، إنّما الّذي يرتّب منتهى ، وحدّ وتناسب عدديّ ) - فلا بدّ من أن يكون الشّيء المرتّب والمحدّد هو ما لا نهاية له . هذا وإنّ التّرتيب إنّما يتناول الهيولى وما ليس هيولى بقدر ما إنّه يشارك الهيولى في ما هي عليه ذاتها أو يحلّ محلّها ؛ فالهيولى إذا هي حتما ما لا نهاية له ، / لا بمعنى أنّها عرضا ما لا نهاية له وأنّ هذا الوصف يلزمها عن طريق العرض . فإنّ ما يلزم الشّيء عرضا ينبغي أن يكون له معنى ، وليس لما لا نهاية له معنى ؛ هذا أوّلا ، ثم إن قيل لأيّ شيء يكون ما لا نهاية له لازما بالعرض قلنا : للحدّ وللمحدود . ولكنّ الهيولى ليست محدودة