الإثبات في النّطق . ومثل ذلك كمثل الظّلام للعين إنّما هو هيولى ؛ ومن شأنها أن يعمّرها كأنّه صورة كلّ لون لم يدركه البصر ؛ وهكذا الأمر في النّفس إذا ، وقد استخرجت ما في المحسوسات / من نور ، ولم يبق لها بعد ذلك ما تراه : فإنّها آنذاك مثل البصر في الظّلم ، وقد أصبحت بوجه ما أمرا واحدا وهي ذلك الّذي تراه إن جاز لنا القول . أو ترى حقا ؟ لكأنّي بها ترى شيئا عديم الشكل ، مجرّدا من اللّون ، لا نور فيه ، فضلا على أنّه خال من الكمّ بأبعاده ؛ وإلّا لكانت النّفس ذاتها عمدت إليه وعمرته بمثال ، وعندما لا تفكر النّفس قطّ ألا يتمّ فيها ذاتا ذلك الانطباع الّذي وصفناه ؟ / كلّا ! بل إنّها عندما لا تفكر بشيء ، فإنّها لا تلفظ بشيء ، أو بالأحرى لا تنطبع بشيء ؛ أمّا عندما تعرف الهيولى ، فإنّها بحيث تنفعل بانفعال كأنّه انطباع ما لا صورة له . كما أنّها عندما تفكّر بما عمرته الصّورة وحلّ فيه الكمّ ، إنّما تفكر به مركّبا ، لأنّها تفكّر به كأنّه مع لونه وكأنّه مع كيفه ملوّنا بوجه عامّ . إنّها تفكّر إذا بالكلّ / وببعضه معا . أمّا عرفان المحمولات أو بالأحرى الإحساس فواضح ؛ وأمّا إدراك الحامل ، الّذي لا صورة له فهو غامض ، لأنّه ليس بمثال . هذا وما تدركه في الكلّ وفي المركّب مع محمولاته ، فإنّها تنزع منه بالتّحليل هذه المحمولات ؛ ثمّ إنّ الّذي يتركه العقل باقيا ، تعرفه النّفس بغموض وهو غامض ، وفي جوّ من الظّلام وهو مظلم ؛ / وهي تعرف حينئذ غير عارفة حقا . ثمّ ما دامت الهيولى هي ذاتها لا تبقى بدون صورة ، بل تكون دائما في الأشياء مع صورة تعمّرها ، فإنّ النّفس سرعان ما تبادر إليها فتخلع عليها مثال الأشياء : إنّ الغموض والإبهام أمر يؤلم النّفس ، وكأنّها تخشى معه أن تصبح خارج عالم الأعيان ، فلا تطيق طول الإقامة في الليس واللاشيء . /
11 ولكن ما هي الحاجة لقيام الأجساد ، إلى شيء غير الحجم والكيفيّات كلّها ؟ - ألا إنّ هذه الأمور كلّها في حاجة إلى ما يتلقّاها وتقوم عليه . فلا بدّ إذا من جرم ، وإذا لزم الجرم ، لزم الحجم أيضا ، إذ أنّ الجرم الّذي لا حجم له ، لا يتّسع لشيء يتلقّاه . ولعمري ، إذا كان الجرم بدون حجم ، فبم يكون إسهامه ؟ إنّه ، في هذه الحال ، لا علاقة له بالمثال / ولا بالكيف ؛ أفيكون أيضا خاليا من كلّ صلة بالامتداد وبالحجم ، والحجم ، فيما يبدو ، من الهيولى أينما حلّ ، منها يكون أصله وعنها يكون قدومه إلى الأجساد ؟ ولكن مثلما أنّا نرى ، بوجه الإجمال ، أعمالا وأفعالا ومددا وحركات ثابتة كلّها في الأعيان وليس لها في ذواتها ما تقوم عليه وتستوي ، فهكذا أيضا ليست الأجسام الأوّليّة في حاجة حتما إلى هيولى ، / بل يكون كلّ جسم منها كلّا في ذاته ، ويردّ الاختلاف بينها إلى أنّها في قوامها مزيج من ممثّل كثير عددها ؛ ومن ثمّ كان ذلك الّذي تدّعيه ، من فقدان الحجم في الهيولى ، كلاما فارغا لا معنى فيه . أمّا أوّلا فليس من الضّروريّ أن يكون ما يتلقّى الشّيء جرما ، ما لم يتمّ له الاتصاف بالحجم ؛ فإنّ النّفس / تتلقّى
تاسوعات أفلوطين — صفحة 145
مساهمون: أفلوطين
ص١٤٥