كان « لا حدّ له » بمعنى أنّه « لا يدرك له حدّ » فليس في الأعيان / أمر مثل ذلك لا وجود له في حقيقة الواقع سواء أكان « لا حدّ له » قائما في ذاته أم كان في شيء آخر مثل العرض في جسد ما :
أمّا أن يكون « لا حدّ له » قائما في ذاته ، فلأنّ كلّ جزء من أجزائه يصبح حينئذ أيضا « لا حدّ له » حتما ؛ أمّا أن يكون بمنزلة العرض ، فلأنّ ما يحلّ فيه عرضا لن يكون بعد ذلك « بدون حدّ » في حقيقة ذاته ، فلن يكون بسيطا ، ولا هيولى أيضا ؛ وهذا أمر لا ريب فيه . هذا وإنّه لا يجوز أخيرا ، أن تجعل الذّرّات على مقام الهيولى ، / إذ أنّ الذّرّات ليس من عالم الأعيان : فإنّ كلّ جسم قابل للتجزّؤ ، في كلّ جزء من أجزائه ؛ فضلا على أنّ ثمّة اتّصال بعض الجسد ببعض ، ورطوبته ، والوضع بحيث أنّ الشيء لا يكون بدون الرّوح والنّفس ، ولا يمكن أن تتألّف النّفس من ذرّات ؛ كما أنّه لا يمكن أن تصنع من الذّرّات طبيعة تختلف عن الذّرّات إذ أنّ صانعا / لا يصنع قطّ شيئا من غير هيولى متّصل بعضها ببعض . وقد يتّسع المجال لذكر مئات الرّبى من الأقوال ضدّ هذه الدّعوى ؛ لا بل ذكرنا فيها أقوالا جعلت إطالة الوقوف عندها من فضول الكلام .
8 ما هي إذا تلك الهيولى الّتي توصف بأنّها واحدة ، متّصل بعضها ببعض ، وأنّها بلا كيف . فإنّ عدم كونها جسما ، لأنّها بلا كيف ، أمر واضح ، وإلّا لكانت بكيف . أمّا إذا وصفناها بأنّها كذلك مع المحسوسات كلّها ، فإنّما نعني بذلك أنّها ليست هيولى قبالة أشياء ومثالا قبالة أخرى ( مثل الفخّار ، فهو هيولى لدى الفخّاريّ ولكنّه ليس / هيولى مطلقا ) ؛ أقول : إذا وصفناها بأنّها ليست هكذا ، بل بأنّها هيولى بالنّسبة إلى الأشياء كلّها ، فالوجه الّا نلحق بها شيئا قطّ ممّا نراه في المحسوسات . وإذا صحّ ذلك ، فإنّا إلى جانب ما ننفيه عنها من التكيّفات مثل اللون والحرارة والبرودة ، ننفي عنها أيضا الخفّة والثّقل والشّفافيّة ، بل كلّ شكل وهيئة ؛ ومن ثمّ ، فلا حجم لها أيضا . / فإنّ ثمّة فرقا بين أن يكون الشّيء من قبيل الحجم ، وأن يكون متّصفا بالحجم ، كما أنّ القيام بالهيئة ليس الاتّصاف بها . ثمّ إنّ الواجب في الهيولى الّا تكون مركّبة ، بل بسيطة ، وشيئا ثابتا بوحدته وذلك في حدّ ذاتها وطبيعتها ، إذ أنّها لا تكون بريئة من كلّ الّذي سبق ذكره إلّا إذا كانت كذلك . هذا وإنّ الّذي يمدّها بالصّورة ، يخلع عليها صورة تختلف عنها ؛ وهكذا الأمر في الحجم والأوصاف كلّها . / فكأنّه يستخرجها من الأعيان ، ويلحقها بالهيولى ؛ وإلّا لأصبح متقيّدا بالكمّ فيها ، وما أحدث شيئا من هذا الكمّ بقدر ما يريد هو ، بل بقدر ما تشاء هي ؛ أمّا أن تتوافق إرادته مع ما يقتضيه الكمّ في الهيولى ، فذلك ضرب من ضروب التّوهّم . ثمّ إنّه ما دام الصّانع متقدّما على الهيولى ، تساوقت الهيولى كلّها مع ما يريد الصّانع ولانت / لقبول كلّ ما تراد عليه ، وبالتّالي للكمّ أيضا . أمّا إذا التحق الكمّ
تاسوعات أفلوطين — صفحة 143
مساهمون: أفلوطين
ص١٤٣