مختلف الوجوه كثير الصّور ؛ فهو إذا في حدّ ذاته لا صورة له ، قبل كونه مختلف الوجوه . فإذا سلبت عن الرّوح اختلاف الوجوه والصّور ، والمعاني البذريّة ، والعوارف ، أصبح لديك ما كان قبل كلّ ذلك ، أعني أمرا لا صورة له ولا حدّ ؛ فلا شيء بعد ممّا كان له وفيه . /
5 وإن قيل : « إنّ كلّ ذلك حاصل لتلك الوحدة ، وهما معا أبدا ودوما ، فالواحد هو كلاهما ، وليس ثمّة هيولى » ، لزم عن قولك أنّه ليس للأجساد في عالمنا أيضا هيولى ؛ وذلك لأنّ الهيولى لا تكون قطّ بدون صورة ، بل الكائن دائما هو الجسد كلّه ، ولكنّه مركّب عن الصّورة والهيولى معا . هذا وإنّ الرّوح هو الّذي يدرك هذه المثنويّة ؛ فإنّه لا يزال يقسّم حتّى ينتهي إلى بسيط لا يمكن تجاوزه بالتّحليل ؛ / ولكنّه ما دام قادرا على التّحليل ، فإنّه لا يزال يحلّل حتّى يصل من الأمر إلى غوره . وغور كلّ أمر ، إنّما هو الهيولى ؛ ولذلك كانت مظلمة كلّها ، لأنّ النّور هو المعنى البذريّ ، والرّوح معنى بذريّ . فإنّه يرى لكلّ شيء معناه البذريّ ، فيحكم بالأظلام للأشياء الّتي في الدّرك الأسفل وكأنّها تحت النّور ، كما أنّ البصر يتحوّل نوره إلى / النّور والألوان ( وهي أنوار ) ، فيدرك ما تحت الألوان على أنّه مظلم وهيولانيّ ، مغمور بالألوان . إلّا أنّ المظلم في الرّوحانيّات يختلف عنه في المحسوسات ، كما أنّ الهيولى أيضا تختلف ، بقدر ما يختلف المثال الّذي يقع على الهيوليّين ؛ فإنّ الهيولى الرّبّانيّة / ما يجعلها قائمة في حدودها فتتمّ لها حياة ثابتة في ذاتها نورانيّة ، أمّا الهيولى هنا فصحيح أنّها تصير شيئا محدودا ، ولكنّها لا تكون ذات حياة وروح ، بل هي شيء ميّت منظّمة معالمه . ثمّ إنّ الصّورة في عالمنا مثال لشيء ؛ فما تقوم عليه مثال أيضا : أمّا في الملأ الأعلى فالصّورة حقّ ثابت ، فكذلك أيضا ما تقوم عليه . ومن ثمّ كان الّذين يرون أنّ للهيولي / ذاتا ما داموا يعنون بها هيولى العالم الرّبّاني ، أصحاب رأي ينبغي تقبّله ما داموا يعنون بها هيولى العالم الرّبّاني ؛ فإنّ حامل الصّور هنالك ذات ، أو بالأحرى ، إنّه ، في الذّهن ، مع ما عليه من صور الذّات الكاملة النّورانيّة . أمّا إذا وجب البحث فيما إذا كانت الهيولى الرّوحانيّة قديمة ، فالقول فيه مثل القول في الأصول الرّوحانيّة ؛ فإنّها مولودة ما دام لها أصل ، / وغير مولودة لأنّها لا بداية لها زمنا ، بل هي في ارتباط مستمرّ بغيرها ، لا بمعنى أنّها في تكوين مستمرّ مثلما هو الأمر في عالمنا ، بل بمعنى أنّها في تأييس دائم مثلما يكون الأمر في الملأ الأعلى . ذلك لأنّ الغيريّة في الملأ الأعلى قديمة ، وبها كانت الهيولى ؛ فإنّها أصل الهيولى ، مثل الحركة الأولى أيضا . ولذلك قيل في هذه الحركة أنّها « الغيريّة » ، / لأنّ الحركة والغيرية « نشأتا معا » ؛ هذا وإنّهما غير محدودين ، فهما مشتقّان من الأوّل ، ولا بدّ لهما منه لينضبطا في حدودهما ؛ وإنّما يتحدّدان إذ يرتدّان بذاتيهما إلى الأوّل ؛ أمّا قبل ذلك فإنّ الهيولى تلك غير محدّدة ، وهي الغير ولا تزال لا خير فيها ، بل هي
تاسوعات أفلوطين — صفحة 141
مساهمون: أفلوطين
ص١٤١