تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
فليست بحاجة إلى التعليل ؛ إذ التّعليل ليس هو الّذي يحدث التّبديل ، بل الأصل الثّابت في النّفس والّذي ينطوي على المعاني البذريّة ؛ فهو الأصل الأقوى ، وهو في النّفس قدرتها على الفعل . هذا وإنّها الفعل وفقا للمثل . فإنّما تمدّ بها إذا بعد أن تكون قد تلقّتها من الرّوح . الواقع أنّ الرّوح يمدّ بتلك المثل نفس العالم الكلّيّ ، / فتنقلها النّفس التي تلي الرّوح مباشرة من ذاتها إلى النّفس الّتي تليها إذ تشرق عليها بنورها وتطبعها بطابعها ، فتقبل هذه النّفس الأخيرة على الفعل حينذاك ، كأنّها أصبحت مكلّفة به ؛ فتارة يسترسل فعلها استرسالا لا ممسك له ، وطورا تقوم دونه الحوائل فيخرج منه ما هو من سقط المتاع . وعندئذ لمّا تيسّرت لتلك النّفس القدرة على الفعل وأترعت بالمعاني البذريّة ( ولو لم تكن هذه المعاني من الأوّليّات ) ، فإنّها تقدم على الفعل ليس فقط لتفعل وفقا لما تلقّته ، بل ليحدث عنها هي أيضا شيء ما ؛ / ولا مراء في أنّه عند ذاك شيء ساقط ؛ نعم إنّه حيوان ، إلّا أنّه حيوان على جانب من النّقص لا يستهان به ، عاجز عن النّهوض بأعباء حياته ، إذ أنّه في منتهى الدّناءة ، صعب الانقياد ، غليظ الخلق ، ساقط الهيولى ، كأنّ هذه الهيولى نفاية العلويّات ، فهي مرّة / وتنتشر المرارة حولها : هذا ما تسهم به تلك النّفس في العالم الكلّيّ . 18 فهل الشّرّ ضروريّ إذا في العالم الكلّيّ ، فيلزم لزوما من الأمور السامية ؟ نعم ، ولو لم يكن الشّرّ ، لكان الكلّ ناقصا . فإنّ في الشّرّ ، في معظم ظواهره ، بل في ظواهره كلّها ، نفعا للعالم الكلّيّ ، وهذا هو الأمر في الحيوانات السّامّة مثلا ؛ إلّا أنّنا ، غالبا ، لا ندرك بما ذا يكون الشّرّ نافعا . ثمّ إنّ للرذيلة وجوها / عديدة من المنفعة ، ما دامت هي الأصل في وجود أمور قائمة الحسن ، مثل الكثير من آيات الفنّ ؛ فضلا على أنّها تبحث عن التّفطّن ، فلا تدعنا ننقاد انقياد النّائم للإهمال واللامبالاة . فإذا صحّ قولنا هذا ، لزم عنه حتما أنّ نفس العالم الكلّيّ هي أبدا في مشاهدة أفضل الأمور ، موجّهة وجهها دائما نحو الحقيقة الرّوحانيّة ، نحو الحقّ الرّبّانيّ ؛ فإذا امتلأت / بذلك ، وأصبحت كأنّها مترعة به ، انبعث منها ارتسام ، هو منها في أقصى حدودها الدّنيا : فهذا هو الصّانع . إنّه إذا الصّانع الأدنى ؛ وأمّا ما فوقه فجانب النّفس الّذي ملئ مباشرة من لدن الرّوح . وأمّا الرّوح فهو المحلّق فوق الكلّ ، وهو الصّانع الأوّل يمدّ النّفس الّتي تليه بالأمور / الّتي نجد آثارها في ما هو من المقام الثّالث . وما أصوبه رأيا ما قيل من أنّ العالم محاكاة لا تزال في تحوّل مستمرّ إلى محاكاة أخرى : فإنّ ما في المقام الأوّل والثّاني ساكن ؛ كما إنّه ساكن أيضا ما في المقام الثّالث ، ولكنّه أصبح بحلوله في الهيولى متحرّكا عن طريق العرض . ذلك بأنّه كلّما كانت روح وكانت نفس ، جرت منهما المعاني البذريّة إلى ذلك / النّوع من النّفس ، كما إنّه كلّما كانت شمس كانت منها جميع الأنوار منبعثة .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 138 | أفلوطين