أنقذوا خير ما في نفوسهم والأصل النّفسانيّ القديم عندهم . فلا نظننّ أنّ النّفس هي في ذاتها ما من شأنه أن يتلقّى كلّ انفعال من الخارج وإنّها الأمر الوحيد الّذي ليس له حقيقة خاصّة ؛ بل إنّها أحرى من غيرها بكثير - إذ أنّ لها مقام الأصل حقا / - بأن يتوفّر لديها طائفة من القوى الخاصّة لتتمكّن من القيام بالوظائف الّتي تستلزمها طبيعتها ؛ فمن المحال أن تكون عينا من الأعيان ولا يصحب إنيّتها رغبات ومؤهّلات للعمل ونزعات إلى ما هو من خيرها . أمّا المركّب فهو ممّا كان مركّبا في طبيعته ، وهو كذلك وله أعماله ؛ أمّا النّفس ، إذا / تمّ لنفس أن تنفصل ، فإنّها تنفرد بوظائفها هي ولا تعتبر منها ما ينفعل به الجسد ، لأنّها ترى الآن أنّ هاهنا شيئا وأنّ هناك شيئا آخر .
16 ولكن ما هو الشّيء الممزوج وما هو الشّيء غير الممزوج ، ما هو الشّيء المنفصل وما هو الشّيء غير المنفصل ، ما دامت النّفس في جسد ، بل ما هو الحيّ بوجه عامّ ؟ هذا لا بدّ لنا من معالجته بعد ذلك ولسوف نقبل عليه من وجه آخر ؛ إذ ليس الجميع على رأي واحد فيه . أمّا الآن فلنذكر ما ذا نعني بقولنا الّذي سبق : « إنّ النّفس تدبّر شؤون الكون الكلّيّ وفقا لما يقتضيه العقل » . / أنعني بذلك كأنّها تصنّع عن طريق المباشرة الأشياء شيئا فشيئا ، الإنسان ، ثمّ الجواد ، ثمّ حيوانا آخر ، ثمّ الوحش والسّباع ، وقبل ذلك النّار والأرض أوّلا ؟ ثمّ تنظر إلى هذه الأمور وهي تتلاقى فيفسد بعضها بعضها الآخر أو يؤدّي له ما فيه نفعه ؛ فتكتفي بمشاهدة التآلف الّذي يتمّ بين تلك الأمور وما يتبعه من نتائج متقارنة لا تزال تقع وتحدث ، / فلا تساهم في المتواليات بعد ذلك إلّا بعودتها إلى صنع وتكوين الحيوانات الّتي استهلّت بها عملها ( في الدّورة السّابقة ) ثمّ تدع تلك الحيوانات ينفعل بعضها ببعض انفعالا متبادلا ؟ أم نعني بذلك أنّها سبب الأمور الّتي تحدث كذلك لأنّ ما يحدث عنها يولّد ما يليه مباشرة ؟ ثمّ هل / يقتضي العقل أنّ هذا الشّيء يفعل ذاك أو ينفعل به لا بالتّحكم ولا بالاتّفاق ( ولو كان اتّفاق حوادث ) ، بل يكون ذلك كذلك بالضّرورة الحتميّة ؟ أيتمّ ذلك إذا لأنّ المعاني البذريّة هي الّتي تفعله ؟ إلّا أنّ هذه المعاني البذرية موجودة ، ولكن بمعنى أنّها تفعل ، بل بمعنى أنّها تشاهد ، أو بالأحرى أن النّفس منطوية على المعاني البذريّة المولّدة ، فهي التي تشاهد / النتائج الّتي تحدث عن أعمالها كلّها ؛ ذلك لأنّه ما دامت القرائن والظّروف واحدة ، فإنّ النّتائج هي أيضا واحدة حتما ؛ وإذا أدركت النّفس ذلك أو علمت بعلم سابق ، عمدت إليه فساقت المتواليات إلى منتهاها وربطتها بعضها ببعض . فيقابلها إذا بوجه عامّ السّوابق ثمّ التّوابع ، ثمّ تصبح / هذه بدورها سوابق لما يليها مباشرة ، وهكذا دائما انطلاقا ممّا يكون حاضرا ؛ وربّما كان من ذلك سير المتواليات دائما من سيّئ إلى أسوأ ( فرجال الماضي مثلا غير رجال اليوم ) ، إذ أنّ المعاني البذريّة تضعف أمام تأثيرات الهيولى ، نظرا إلى البعد وإلى فعل الحتميّة المستمرّ .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 136
مساهمون: أفلوطين
ص١٣٦