تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
فإنّ النّفس لا تزال ترعى الأمور وهي تتحوّل من شيء إلى آخر ، / وتتبع انفعالات أعمالها ، فتجري حياتها كذلك ، ولا يخلو لها بال من الاهتمام بشغلها كأنّها وصلت به إلى منتهاه ، وكأنّه استقام لها في حسنه وكماله وأنجزته دفعة واحدة فلن تعود إليه بعد ذلك ؛ إنّما مثلها مثل حارث بذر حبّا أو غرس نبتا فلا يزال يصلح ما أفسده الشّتاء الممطر ، أو البرد المتواصل أو الهواء العاصف . / أمّا إذا كان في كلّ ذلك هذيان ، فلا بدّ من القول بما يلي ، وهو أنّ في المعاني البذريّة ذاتها العلم بفساد الأمور وبما ينتج عن رداءتها ، أو حال الاستعداد لهذا الفساد ولهذه النّتيجة . وإذا كان ذلك كذلك ، وجب القول بأنّ المعاني البذريّة هي الّتي تولّد الشّرور ، مع أنّه ليس قطّ في فنّ أو في معنى بذريّ فنّ خطأ ، ولا ما يتنافى مع الفنّ ، / ولا ما يفسد مقتضيات الفنّ . ولكن ربّ قائل هنا يقول إنّه ، في ما يتعلّق بالعالم الكلّيّ ، لا مجال لأمر يتنافى مع الطّبيعة ولا مجال لشرّ ؛ ويسلّم مع ذلك بأنّ ثمّة ما هو شرّ من غيره ، وما هو أفضل من غيره . ثمّ ما عسى أن يكون فيما إذا كان ما هو شرّ لصالح العالم الكلّيّ ، وكأن الحسن لا ينبغي أن يستوي على كلّ شيء ؟ فإنّ للمتناقضات تضامنها على العمل ، وما من عالم بدونها ؛ / وهكذا الأمر عند كلّ حيّ من الأحياء ؛ أمّا خير ما في الأمور فهو ما فرضه المعنى البذريّ فرضا وجبلته هو ذاته ؛ وأمّا ما لم يكن كذلك صالحا فإنّه صالح بالقوّة في المعاني البذريّة وأصبح أقلّ صلاحا في المحدثات المتكوّنة بالفعل . ذلك لأنّ النّفس لم يعد من واجبها أن تفعل وأن تدفع المعاني البذريّة إلى التّحقيق . فإنّ الهيولى هي الّتي تفعل الآن وقد اهتزّت / عند المعاني البذريّة السّوابق الحماسة إلى العمل ، كما أنّه يفعل أيضا ما يكون من الهيولى ، أعني أحقر الأمور شأنا ؛ على أنّ أقل ما يقال في الهيولى عند ذاك هو أنّها لا تزال تساق صاغرة إلى الأفضل . وهكذا يخرج الواحد المؤلّف من كلّ الأشياء التي تحدث وهي من ناحية أولى غير ما هي عليه من ناحية أخرى ، وهي أيضا ، من ناحية ثالثة ، تختلف عمّا هي عليه في المعاني البذريّة . 17 والآن ، هل المعاني البذريّة المستكنّة في النّفس عوارف ؟ ولكن كيف تفعل النّفس متقيّدة بالعوارف ؟ فإنّ المعنى البذريّ يفعل في الهيولى ، وما يفعل على نحو ما تفعل الطّبيعة ليس عارفة ولا نظرا ، بل قوّة تستخدم لإحداث التّقلّبات في الهيولى ، فليس لهذه القوّة علم بل لها فعل فقط ، مثلما هو الأمر في دائرة تولّد شبحا مثلا وشكلا في الماء ، / فتستمدّ من غيرها ، أعني من مركزها ، حتّى تعمل ، ما يلزم لأصل ما هو معروف فيها بقوّة التّنمية والتّولّد . وإذا كان ذلك كذلك ، فإنّ العنصر الموجّه في النّفس هو الّذي يفعل وذلك يحدث تبدّلا في النّفس المولّدة المنسبكة في الهيولى . فهل تحدث التّبديل بتعليل منها ؟ وإذا كان منها تعليل ، فهل يردّ إلى غيرها أو إلى ما لديها في ذاتها ؟ / وإذا ردّ إلى ما لديها في ذاتها ،
تاسوعات أفلوطين — صفحة 137 | أفلوطين