تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
يساوي عدد السّنين الّتي يستغرقها ارتفاعه ، حتّى لكأنّ الكوكب يحسب على أصابعه الحين الّذي يفعل فيه ، ولا يبيح لنفسه أن يفعل قبل الأوان المحدّد له ، وحتّى لا يعترف لأحد بسلطانه في تصريف الأمور . وإنّما يكون / للكوكب الإشراف على كلّ شيء ، كأنّ ليس ثمّة ربّ واحد ، به تمّ ضبط العالم الكلّيّ وقوامه ، لمّا قد حوّل كلّ شيء - وفقا لفطرته - من إدراكه كلّ ما كان منه وكلّ ما كان له ، ومن قيامه بالفعل الّذي يسّر له بعد انسحابه مع ذلك الرّبّ ؛ أمّا هذا كلّه فالقول به قول هدّام يتجاهل إن للعالم حقا أصلا وسببا أوّل يأتي على كلّ شيء . / 7 ولكن إذا كانت الكواكب تؤذن بالمستقبلات ، فلنعتبرها مثلما نعتبر أمورا أخرى كثيرة من شأنها الايذان بالمستقبلات ، والصّانع لهذا كلّه ما عسى أن يكون ؟ وأنّى يتمّ النّظام الكلّيّ ؟ كيف والايذان لا يكون ما لم تحدث الأمور أمرا وفقا لترتيب ما . فلتكن تلك الكواكب بمثابة حروف لا تزال تكتب في السّماء ، أو كتبت كلّها دفعة واحدة وهي الآن تسير / محرّكة ، وتفعل إلى جانب ذلك أيضا فعلا آخر ؛ أمّا النّاتج عن هذا الفعل فهي الدّلالة المنبعثة من الكوكب ، كما أنّنا اعتمادا على الوحدة الأصليّة في الحيوان الواحد ، ننطلق من بعضه لنستنتج شيئا آخر . لا بل إنّنا نتبيّن الخلق إذا نظرنا إلى أحد في عينيه ، وقد ننظر إلى عضو من أعضاء جسده فنتنبّه إلى الأخطار الّتي تحدق به وإلى سبل الخلاص من تلك الأخطار . إنّ هذه / الأمور أجزاء في الحيوان الواحد ، ونحن أيضا أجزاء في العالم الكلّيّ : وفي كلتا الحالتين ، يستدلّ ببعض من الكلّ على بعضه الآخر . والحقّ أنّ ثمّة دلالات كثيرة أصبحت مألوفة يعرفها الجميع . فما هو النّظام الواحد الّذي يربط بعض الأمور ببعض ؟ فإنّا إذا عثرنا على هذا النّظام ، ألفينا معقولا ما يجري على الطّيور وغيرها من الحيوانات من التّعرّف إلى شؤون المستقبل / أمرا أمرا . والحقّ أنّ الأمور كلّها يجب أن يكون بعضها مرتبطا ببعض - ( فيجب ، كما قالوا وأحسنوا القول ، أن يتمّ تآلف محكم بين الأجزاء جزءا مع جزء ، ليس فقط في الفرد الواحد ، بل بخاصّة وأوّلا في العالم الكلّيّ ) - فيحوّل الأصل الواحد الكثرة في الحيوان إلى شيء واحد ، ويولّد من الأشياء كلّها شيئا واحدا . وكما أنّ الأجزاء في الفرد الواحد ، ينفرد كلّ جزء منها بوظيفته الخاصّة به . / فهكذا أيضا في العالم الكلّيّ يكون لكلّ أمر من الأمور وظيفته الخاصّة به ، ولا سيّما حين لم تعد تلك الأمور في منزلة الأجزاء ، بل كلّ منها كلّ ، وهو كلّ من النّوع الأعظم . وهكذا يشتق كلّ شيء عن أصل واحد ويفعل فعله ، ولكنّ كلّ واحد يساند الآخر ، لأنّه لم ينفصل عن العالم الكلّيّ ، فالواقع أنّه يؤثّر على غيره ويتأثّر بغيره ، ثمّ يقبل غيره / بدوره إليه فيحزنه أو يفرحه . وإذا اشتقّ عن الأصل ، فليس هذا تحكّما أو اتّفاقا ، بل من الأمور الّتي سبقت يصدر أمر آخر ، ويليه على الفور غيره أيضا ، وذلك ما تقتضيه الطّبيعة دائما .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 130 | أفلوطين