إذا كانت بلا نفس ، فإنّها لا تمدّ إلّا بالحرارة والبرودة ، ( على الافتراض أنّ ثمّة نجوما يجوز وصفها بالبرودة ) ، وعند ذلك ينحصر ما تمدّنا به في أجسادنا ، إذ الحركة الّتي تصلها بنا إنّما هي حركة جسميّة لا محالة ؛ بحيث / أنّ التّغيّر في الأجساد حينذاك ليس ذا أهمّيّة ما دام الّذي يخرج ساريا من الكواكب هو هو في كلّ كوكب ، ثمّ يتوحّد ويمتزج على الأرض ، فلا يختلف بعضه عن بعض إلّا من حيث قرب المناطق الّتي حلّ فيها أو بعدها عن أصل انبعاث الحركة . وهكذا الأمر أيضا في الكوكب البارد الّذي يعد بالبرودة . / ولكن كيف يصبح الإنسان ، بتأثير هذه النّجوم ، حكيما أو جاهلا أو متفقّها في اللغة أو خطيبا أو عازف قيثارة أو بارعا في غير ذلك من الفنون ، لا بل غنيّا أو فقيرا ؟ وما القول في غير ذلك من الأمور الّتي يعلّم حدوثها بمزيج الأجساد ؟ أعني أن يكون هذا أو ذلك مثلا ، أخي أو أبي أو ولدي أو زوجي أو أكون في هذه اللحظة الحاضرة سعيد الحظّ / أو قائدا أو ملكا . وإن تك للنجوم نفوس ، وإن تصدر أعمالها عن تروّ واختيار ، فبم أسأنا إليها حتّى تعمد إلى معاملتنا بالمساءة وهي الحقائق الرّبّانيّة المقيمة في ملأ الأرباب ؟ كيف وليس فيها ما يصبح به الإنسان رديئا ، كما أنّها ، بوجه عامّ ، لا تصيب خيرا ولا شرّا / من كوننا على خير الحال أو شرّه ! 3 أمّا أنّها لا تفعل كلّ ذلك عمدا ، بل لتقسرنّها عليه مناطقها وهيئاتها . - ولئن كانت تفعل ما تفعل قسرا ، فإنّ فعلها ينبغي أن يكون واحدا ما دامت في مناطق واحدة وعلى الفلكيّ هيئات واحدة . وما عسى أن تناله من تغيّر حقّا تلك النّجمة الّتي تجتاز هذه المنطقة أو تلك من دائرة البرج الفلكيّ ؟ / على أنّها ليست في البرج الفلكيّ ذاته ، بل تحته وفي أبعد ما يكون عنه ، ومهما قابلت من ذلك البرج ، إنّما قابلت السّماء الثّابتة . فمن الحماقة أن نذهب إلى أنّ النّجمة تتغيّر عندما تمرّ تحت قاطع من تلك القواطع ويتغيّر أيضا ما تمدّ به ، فتكون عند طلوعها على حال ، وعند مرورها في السّمت على حال أخرى ، وعند أفولها / على حال ثالثة . وما كان لكوكب أن يفرح تارة لأنّه في السّمت ويحزن طورا ، أو ليبطل نشاطه لأنّه مال إلى الأفول كما أنّ غيره لا يغضب إذا ارتفع ويلطف إذا مال ، أو يزداد أحد تلك الكواكب فضلا ولو كان في حال الأفول .
ذلك لأنّ الثّابت في الأمر هو أنّ كلّ كوكب إذا كان في السّمت عند بعضهم ، / كان في الأفول عند غيرهم ، وإذا كان عند الأفول عند أولئك ، كان في السّمت عند هؤلاء ، فلن يكون في الآن الواحد فرحا وحزينا غاضبا ومسرورا . أمّا القول بأنّ ثمّة كواكب تفرح عند غروبها ، وأنّ غيرها يفرح عند شروقها أفلا يكون قولا محالا ؟ لأنّه إذا صحّ ذلك ، صحّ أيضا أنّ الكواكب تحزن وتفرح في آن واحد . / ثمّ لما ذا ينالنا من حزنها سوء ؟ فالوجه الّا نسلّم إجمالا بأنّها تحزن أو تفرح بحسب الظّروف ، بل بأنّها دائما في المرح إذ أنّها تفرح بالخير الّذي لديها والّذي تشاهده .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 127
مساهمون: أفلوطين
ص١٢٧