تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
الرّبّانيّ / خير ، أمّا الشّرّ فمن « الأصل القديم » يعني الهيولى بكونها محلّا معدّا لقبول الأشياء ولما ينظّم . فما ذا يعني « بالعالم الزّائل » ؟ هذا على افتراض أنّ العبارة « هذا العالم » تدلّ على الكون الكلّيّ . إنما يعني ما يعني بقوله : « وما دمتم محدثين فما أنتم بخالدين ، غير أنّكم لن تبيدوا بفضلي أنا » / . وإذا كان ذلك كذلك فعلى صواب يقال : « إنّ الشّرّ لن يزول » . ولكن كيف الفرار منه ؟ يقول : إنّ ذلك لا يكون بمعنى الانتقال من مكان إلى مكان ، بل بمعنى اكتساب الفضيلة والانفصال عن الجسد . فبذلك ننفصل عن الهيولى إذ أنّ ما كان مع الجسد كان مع الهيولى . أمّا ما ذا يعني ذلك الانفصال وما ذا لا يعني ؟ فإنّ أفلاطون نفسه شرحه شرحا كافيا : هو الإقامة « في عالم الأرباب » / أي في عالم الرّوحانيّات ؛ فإنّ أهل هذا العالم هم الخالدون . أمّا الشّرّ وضرورته ، فيمكننا أن نتصوّر هما أيضا على النّحو التّالي : ما دام الخير غير قائم وحده ، فلا بدّ لما ينبعث منه ، أو إن شئنا فلنقل ، لما ينحدر منه ويسير متباعدا عنه ، أقول : لا بدّ لذلك من أن ينتهي إلى حدّ لا يحدث بعده شيء قطّ أيّا كان : فهذا هو الشّرّ . / ثمّ إنّ الضّرورة تحكم بأن يوجد شيء بعد الأوّل ، فلا بدّ إذا من حدّ نهائيّ هو الآخر ؛ وهذا الحدّ هو الهيولى الّتي لم يصل إليها شيء قطّ من الخير : وتلك هي ضرورة الشّرّ . 8 ربّ قائل يقول : « إنّا لسنا أشرارا بسبب الهيولى ، إذ أنّ الجهل لا يكون بواسطتها ولا الشّهوات الرّديئة أيضا . ذلك لأنّه إذا تمّ هذا الوضع بوساطة رداءة الجسد ، فالوجه الّا يردّ إلى الهيولى بل إلى المثال ، مثل السّخونة أو البرودة ومثل المرّ والمالح ، / وكلّ ما إلى ذلك من أنواع الرّطوبات والأخلاط ، فضلا على حالات الامتلاء والفراغ ، لا الامتلاء في حدّ ذاته ، بل الامتلاء من الأطعمة الحاوية لتلك الأخلاط . وبوجه عامّ إنّ هذا الوضع في الجسد هو الّذي يولّد الشّهوات على مختلف أنواعها لا بل الآراء الفاسدة . ومن ثمّ فإنّ المثال إذا ، أحرى من الهيولى بأن يكون هو الشر . فإن أقل ما يرغم عليه / صاحب هذا الاعتراض مع ذلك هو الإقرار بأنّ الهيولى هي الشّرّ . ذلك لأنّ ما تفعله الصفة وهي مسبوكة في الهيولى ، لا تفعله وهي مفارقة قائمة بذاتها ، كما أنّ هيئة الفأس بدون الحديد لا تأتي بفعل قطّ . ثمّ وإنّ المثل المسبوكة في الهيولى ليست ما من شأنها أن تكون عليه فيما لو أمست وحدها قائمة في ذواتها . إنّما أصبحت حقائق توشّجت بالهيولى فأفسدتها الهيولى / وأعدتها ممّا هي عليه . فالنّار في حدّ ذاتها لا تحرق ، ولم يكن مثال من تلك المثل ليفعل ما يقال عنه أنّه يفعل إذ يصبح في الهيولى . إنّ تلك الهيولى تستولي على ما يظهر ويرتسم فيها من الأصل ، فتفسده وتتلفه إذ تلصق به حقيقتها وهما النّقيضان . لا بمعنى أنّها تجمع بين متقابلين فتضيف البارد إلى الحارّ / ، بل بمعنى أنّها تجعل حرمانها من الأصل ينسحب إلى أصل الحارّ ، وخلدها من الصّورة إلى الصّورة ،
تاسوعات أفلوطين — صفحة 103 | أفلوطين