تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
وكيف تردّه إلى ذلك الأصل الّذي ذكرت وإلى ذلك السّبب ؟ أوّلا : إنّ نفسا مثل تلك النّفس ليست خارجة عن نطاق الهيولى ، وليست صافية في ذاتها وفقا لذاتها ؛ فإنّ الخلل يخالطها إذا ، وإنّها لم تصب نصيبها الكامل من الأصل / الّذي يخلع النّظام ويكفل الوزن : إنّها ممزوجة بالجسد ، ولدى الجسد الهيولى . ثمّ إنّ النّفس النّاطقة إذا مسّها ضرّ منعت من المشاهدة لأنّها حينذاك يعتريها الانفعال ، وتشملها الهيولى بقتامها ، وتميل هي إلى الهيولى ؛ ثمّ لأنّها ، بوجه عامّ ، توجّه نظرها إلى الأيس الثّابت بل إلى الصيرورة والمتقلّبة الّتي تنشأ من الهيولى ، / وفي الهيولى من الشّرّ ما فيها بحيث تتقحّم بشرّها الشّيء ولمّا يحلّ فيها ، بل هو لا يزال في حال توجيه نظره إليها ليس أكثر . إنّها لا خير فيها البتّة بل هي الحرمان من الخير ومطلق العوز ، فتجعل شبيها بها كل ما كان له بها صلة من وجه ما . فإنّ النّفس الكاملة الّتي مالت إلى الرّوح هي إذا دائما النّفس / الطّاهرة الّتي أعرضت عن الهيولى وعن كلّ ما كان فاقد الحدّ والوزن وفيه شرّ ، فإمّا عادت تنظر إليه ولا تطلبه : إنّما هي باقية في نقاوتها ، قائمة في نطاق الرّوح . أمّا النّفس الّتي لم تثبت في ذلك ، بل خرجت من ذاتها ، فإنّها ليست النّفس في كمالها وفطرتها الأولى ، بل كأنّها ظلّ لهذه النّفس ؛ لقد تفاقم فيها بطلان الجدّ بسبب النّقص الّذي أصابها على قدر ما أصابها منه ، / فهي تشاهد الظّلام وها هي ذي الهيولى حاصلة فيها إذ أنّها تنظر إلى ما لا يرقى إليه نظرها ، بمعنى أنّها في حال من نقول عنه أنّه يبصر الظّلام . 5 ولكن إذا كان الحرمان من الخير هو السّبب في أن تشاهد النّفس الظّلمة وتقيم معها ، فالشّرّ في ذلك الحرمان أو في الظّلمة . فالحرمان في المقام الأوّل بالنّسبة إلى النّفس ، ولتكن الظّلمة في المقام الثّاني ، ولم تعد حقيقة الشّرّ إذا قائمة في الهيولى ، بل يكون الشّرّ قبل الهيولى . والوجه في ذلك هو أنّ الشّرّ ليس في حرمان - أيّ حرمان كان / - ، بل في الحرمان المطلق : فإنّ ما ينقصه قليل من الخير ليس شرّا بحال ، لا بل إنّه قد يكون كاملا في نوعه وجنسه . أمّا إذا كان الحرمان مطلقا - وهذه هي حال الهيولى - فعند ذلك يكون الشّرّ حقّا ، وهو ما ليس له قطّ أيّ قدر من الخير ؛ ذلك أنه ليس للهيولي أيس حتّى يتمّ لها بذلك اكتساب ما من الخير ؛ بل / إنّما يقال الأيس فيها على سبيل اشتراك في الاسم ، والحقّ أن يقال أنّها الليس . إنّ في الحرمان إذا انتفاء الخير ، وإذا كان الحرمان مطلقا ، فكذلك الشّرّ أيضا ، ومهما ازداد الحرمان قويت طاقة جانب الشّرّ ، وكان الشّرّ في الحال . فالوجه إذا أن نتصوّر الشّرّ لا على أنّه هذا الشّرّ أو ذاك ، مثل الجور أو أيّ سيّئة أخرى ، / بل على أنّه الشّرّ ولمّا يتمّ له أن يكون شرّا من تلك الشّرور الجزئيّة . وإنّ هذه الشّرور أنواع خاصّة من ذلك الشّرّ الّذي نعنيه ، تميّزت وتحدّدت بأوصاف فصليّة نوعيّة أضيفت إليه ، مثل الرّداءة الّتي تكون في النّفس ، ثم