سبيل الضّرورة . ربّما لا يدّعي مع ذلك بقوله هنا أنه يصدق على كلّ مقابل ، وإنّما يقصد به الخير . / لكن إذا كان الخير هو الأيس ، فكيف يكون له مقابل ؟ كيف ولو كان هذا الخير ذاته في ما وراء الأيس ؟ إنّ القول بأنّ الأيس ليس له مقابل قول صادق في مجال الأمور الجزئيّة والاستقراء يدلّ عليه . ولكن الدّليل لا يقوم على الأيس . / فما عسى أن يكون إذا في مقابل الأيس الكلّيّ ، وفي مقابل أصول الأولى بوجه عامّ ؟ إنّ في مقابل الأيس الليس ، وفي مقابل الخير حقيقة الشّرّ وأصله . ذلك لأنّ كلّا منهما أصل : فللشرّ على مختلف وجوهه أصل ؛ وللخير على مختلف وجوهه أصل ؛ / وكلّ ما في حقيقة أحدهما مضادّ لكلّ ما في حقيقة الآخر ، بحيث أنّ جملتي ما في الحقيقتين متضادتان ، والتّضاد بينهما أشدّ منه في ما سواهما من المتقابلات .
فإنّ التّضاد في الأمور الأخرى إنّما هو بين أمرين من نوع واحد أو من جنس واحد يجمع بينهما أصل مشترك واحد في الجملة الّتي تتضمّنها . / - أمّا الأمور الّتي يكون بعضها مفصولا عن بعض فصلا تامّا ، بحيث أنّ كلّ ما يستلزمه الطّرف الأوّل لاكتماله نقيضه بالذّات في الطّرف الثّاني ، فكيف لا يكون التّضاد فيها على أتمّه ، ما دام التّضاد بين حدّين لا يكون إلّا في التّباعد بينهما وهو على أشدّه ؟ وشتّان ما بين القيام بالحدّ والوزن وبما سواهما في الحقيقة الرّبّانيّة ، / وبين انتفاء الحدّ والوزن وما سواهما في حقيقة الشّرّ . فإنّ الجملة في الجانب الأوّل على نقيض الجملة في الجانب الثّاني : الأيس المزيّف والزّيف أصلا وحقّا هنا ، والأيس الحقّ قائما حقّا وذاتا هناك . فالتّقابل بين الجانبين مقابلة الحقّ للباطل ومقابلة الذّات للذات . وبذلك اتّضح لنا أنّ القول بأنّ الأيس ليس له مقابل لا يصحّ في كلّ حال .
هذا ولو أقبلنا على النّار والماء لاعتبرنا هما متضادين لو لم يكن بينهما أمر مشترك وهو الهيولى : فعليها تطرأ عرضا / الحرارة واليبس من ناحية والرّطوبة والبرودة من النّاحية الثّانية .
ولو لم يبادرنا منهما إلّا ما به قوام الذّات واكتمالها بدون ذلك المشترك ، لكان تمّ التّضادّ ، وكان تضادّا بين ذات وذات . إنّ الأمرين إذا إذا انفصل بعضهما عن بعض انفصالا مطلقا ، ولم يشتركا قطّ في شيء ، وكان التّباعد بينهما على أشدّه ، أقول : إنّ هذين الأمرين متضادّان في حقيقتهما ؛ / ذلك لأنّ التّضادّ هذا ليس بالّذي يولّد الكيف ، وليس بالّذي يحدّد الأجناس في عالم الأشياء ، بل إنّه التّضادّ الّذي يفصل ما بين الأمرين الفصل الأشدّ وينشأ عمّا فيهما من متضادّات فيحدث المتقابلات .
7 ولكن كيف يكون الشّرّ حتما متى كان الخير ؟ ألعلّ ذلك لأنّ الهيولى لا بدّ منها في الكون الكلّيّ ؟ وذلك لأنّ هذا الكلّ يتألّف حتما من متقابلات ، ولأنّه لو لم تكن هيولى لما كان .
فإنّه « لمزيج عالمنا هذا » في حقيقته وهو « مزيج من روح وحتميّة » ؛ فكلّ ما يصله من العالم
تاسوعات أفلوطين — صفحة 102
مساهمون: أفلوطين
ص١٠٢