تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
حيّة بحكم ما هي عليه حقيقتها ، والحرمان من الخير لا يحصل فيها من عدم الخير منبعثا ممّا هي في ذاتها : إنّها لقائمة في هيئة الخير ، / ما دام فيها شيء من الخير وهو أثر الرّوح ، وليس الشّرّ من طبعها . فليست إذا ما الشّرّ هو أصلا ، كما أنّ ما هو الشّرّ أصلا لا يطرأ عليها عرضا لأنّ الخير كلّه لم يفارقها . 12 وما عسى أن يكون لو لم نعتبر الرّداءة والشّرّ في النّفس عدما مطلقا من الخير ، بل بعض العدم منه فقط ؟ إذا كان ذلك كذلك ، كانت النّفس حاصلة على بعض الخير ومعدومة من بعضه الآخر فتصبح مزيجا من خير وشرّ ؛ ولا يبدو الشّرّ خاليا من كلّ خليط ، فلا يكتشف ما هو الشّرّ أصلا بدون شائبة . هذا فضلا على / أنّ الخير في النّفس من حقيقتها ، أمّا الشّرّ فهو عرض يطرأ عليها . 13 قد يكون الشّرّ في النّفس بمعنى أنّه عائق ، كما يتمّ للعين من حيث البصر . عند ذاك ، يكون الشّرّ ، في رأي من يذهب إلى هذا القول ، ما يولّد الشّرّ ، وإذا فعل ، فإنّه هو شيء والّذي يولّده شيء آخر . وإن تكن الرّداءة إذا عائقا للنفس ، فإنّها تولّد الشّرّ ولكنّها لا تكون هي الشّرّ ؛ كما أنّ الفضيلة / ليست الخير بل إنّها شيء يساعد على تحقيقه . فإن لم تكن الفضيلة الخير فليست الرّداءة الشّرّ . ثمّ إنّ الفضيلة ليست هي الحسن بالذّات والخير نفسه ، وبالتّالي ليست الرّداءة هي القبح بالذّات والشّرّ نفسه . وقد قلنا أنّ الفضيلة ليست الحسن والخير بالذّات لأن الحسن والخير بالذّات قبلها وفوقها ؛ / فما وصلها من خير وحسن إنّما وصلها بضرب من المشاركة . وكما إنّ من ينطلق من الفضيلة ويرتقي ينال الحسن والخير ، فهكذا أيضا من ينطلق من الرّداءة ويهبط ينال الشّرّ نفسه مع الرّداء في بدايته : فللّذي يشاهد ، تتمّ له مشاهدة الشّرّ ذاته مهما يكن نوعها ، أمّا الّذي صار في الشّرّ فتتمّ له المشاركة في هذا الشّرّ بالذّات . ذلك لأنّه حينذاك بتمام القول في « عالم المسخ والتّشويه » ، وإذا انغمس فيه هوى إلى « موحل » الظّلام . لأنّ النّفس إذا استرسلت استرسالا تامّا وانتهت من الرّداءة إلى منتهاها تجاوزت حدّ ما لديها من رداءة ، بل تحوّلت من حقيقتها إلى ما هو غيرها وارتدّت إلى أسفل سافلين : فإنّها لعمري رداءة على جانب من الإنسانيّة / تلك الّتي لا تزال مع ما يخالفها . فتموت النّفس آنئذ كما من شأن النّفس أن تموت ؛ والموت لها ، ما دامت غائصة في الجسد ، أن تزداد انغمارا في الهيولى وأن تدركها منها البطنة ؛ فإذا انطلقت من الجسد بقيت منطرحة في الهيولى حتّى يتمّ لها أن تعود إلى الانطلاق صعدا وتتحوّل بشيء من نظرها عن « الموحل » . وهذا ما معنى قوله « القدوم إلى منزل الأموات / والنّوم فيه » .