والإفراط والتّفريط إلى القائم موزونا ، حتّى تحوّل إليها ذلك الّذي ارتسم فيها فلا يعود ما كان عليه في ذاته . مثل ذلك مثل ما يتمّ في غذاء الحيوان إذا دخل إليه أصبح غير ما كان عليه عند وصوله ، بل هو دم / كلب ، وكل ما كان من لوازم الكلب ، والأخلاط والرّطوبات كلّها وفقا للحيوان الّذي تناوله . فإذا كان الجسد سبب الشّرّ فإنّ الشّرّ سببه الهيولى وبها يتمّ .
ولكن ربّ قائل آخر يقول : « كان من الواجب التّغلّب عليها » . لكن الّذي في وسعه التّغلّب على الهيولى لا يكون في حال الطّهارة ما دام قائما في الهيولى إلّا إذا أمكنه الفرار . فإنّ الشّهوات تشتدّ بحكم المزيج الخاصّ بالأجساد / وتكون عند بعضهم غيرها عند الآخرين ، فلا يتمكّن منها عند كلّ إنسان . ثم إنّها تخمد ملكة الحكم عندنا وتزداد إخمادا لهذه الملكة بحسب سوء حال الجسد لما يعتريها من الفتور والانقباض ، في حين أنّ ما يقابلها يولّد الطّيش والشّطط . ويشهد على ذلك أيضا تقلّب الأحوال عندنا / وفقا للظروف والمناسبات ، فإنّنا من حيث رغباتنا وأفكارنا في حال الشّبع غير ما نحن عليه في حال الطّوى . ثمّ إنّا في حال الشّبع من شيء غير ما نحن في حال الشّبع من شيء آخر .
فليكن الشّطط هو الشّرّ أوّلا إذا ، أمّا ما يطرأ على الشّطط فيقع عن طريق المشابهة أو المشاركة ، فليكن هو الشّرّ ثانيا ، فالظّلام أوّلا وعلى المنوال ذاته / ما أصبح مظلما . وهكذا فإنّ الرّذيلة ، وهي ما في النّفس من جهل وخلل ، إنّما هي الشّرّ ثانيا وليست الشّرّ في ذاته . والفضيلة أيضا ليست الخير الأوّل بل إنّها ما تشبّه بالخير أو شاركه في شيء منه .
9 والآن بم ندرك الفضيلة والرّذيلة ؟ وبم ندرك أوّلا الرّذيلة ؟ إنّ الفضيلة إنّما ندركها بالرّوح ذاته وبالفطانة ، وهي تعرف ذاتها ؛ أمّا الرّذيلة فكيف ؟ كما أنّنا نميّز المستقيم من غير المستقيم بالمسطرة ، فكذلك نميّز أيضا بالفضيلة ما لا ينسجم معها ، أعني الرّذيلة . أو يكون ذلك منّا بإبصار أو بغير إبصار ، أعني بالنّسبة إلى الرّذيلة ؟ / أمّا الرّذيلة الكلّيّة ، فإنّا لا ندركها بالبصيرة لأنّها بلا حدّ ، بل ندركها بأن نرفعها على أنّها ليست الخير بحال ؛ وأمّا الرّذيلة الجزئيّة فندركها بسبب تخلّفها عن الخير . إنّا نشاهد الجزئيّ وبمقتضى هذا الجزئيّ الحاضر نحكم على الغائب : إنّ هذا الغائب ثابت في أمثوله الكامل ولكنّه غائب هنا ، ولذلك نسمّيه رذيلة تاركين الجانب المحجوب المرفوع على إبهامه / من غير تحديد . وهذا ما يحدث عندما نرى مثلا في الهيولى وجها ما قبيحا لم يتمّ فيه التّغلّب للحقيقة بحيث تغطّي قبح الهيولى : فإنّنا نتخيّل ذلك المظهر قبيحا لما يعوزه من المثال . ولكن كيف نتصوّر ما لم يصله شيء من المثال بحال ؟ إذا نفينا كلّ مثال على وجه الإطلاق ، فما ليس فيه مثال قط / هو الّذي نقول عنه إنّه الهيولى . وعنده نعثر في أنفسنا على الحرمان من كلّ صورة بنفينا كلّ مثال ، إذا كان شأننا مشاهدة الهيولى .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 104
مساهمون: أفلوطين
ص١٠٤