فالأصل المدرك هنا الرّوح يبدو مختلفا عمّا هو عليه ، وليس الرّوح في ذاته ، إذ إنّه أقدم على إدراك ما ليس منه . ومثله حينئذ مثل العين وقد تحوّلت عن النّور لتدرك الظّلمة ولئلا تدركها في الآن ذاتها ، لتدرك الظّلمة ، أهملت النّور / على أنّها لن تدرك الظّلمة وهي معه . مع أنّها من ناحية أخرى لا تقوى بدون النّور على أن تدرك الظّلمة بل على الّا تدركها ؛ وبذلك يتمّ لها أن تدرك الظّلمة بقدر ما تستطيع إلى الأمر سبيلا . وهكذا من الرّوح : إنّه يدع في باطنه نوره الخاصّ ويهمله ، وكأنّه يخرج من ذاته فيقبل إلى ما ليس منه بدون أن يسحب معه نوره ؛ فينفعل ويتكيّف بما هو في نقيض ذاته / حتّى يدرك ما هو في نقيضه .
10 هذا وحسبنا بما قلنا عن ذلك . والآن ، كيف تكون الهيولى شرّيرة ، ما دامت لا كيف لها ؟ يقال فيها أنّها بلا كيف بمعنى أنّها في حدّ ذاتها ليس لديها شيء من تلك الكيفيّات الّتي تقبلها والّتي تكون منها كما يكون المحمول من الحامل ، ولكن لا بمعنى أنّها ليس لها حقيقة قطّ . وإذا كان لها حقيقة ، فما الّذي يمنع هذه الحقيقة / من أن تكون شرّيرة ولكن لا بمعنى أنّها شرّيرة ، وتتصف بكيف ؟ سيّما أنّ الكيف هو ما يقال ، وفقا له ، في أمر آخر غيره ، إنّه بكيف :
فالكيف إذا عرض ، وهو ما يحلّ في غيره . أمّا الهيولى فليست في غيرها بل هي الحامل ، والعرض يحلّ فيها . فإذا لم يطرأ عليها الكيف وهو من حيث حقيقتها عرض لها ، قيل فيها إنّها بلا كيف / . ثمّ إذا كانت الكيفيّة نفسها في حدّ ذاتها بلا كيف ، كيف يقال في الهيولى إنّها بكيف ، وهي لا كيفيّة لديها ؟ فعلى صواب نقول إذا إنّها بلا كيف وإنّها شرّيرة . فيقال عنها إنّها شرّيرة لا بسبب أنّ لها كيفيّة بل بسبب أنّ ليس لها كيفية . بحيث أنّها لو كانت مثالا لأضحى من المحتمل أن تمسي شرّيرة ، ولكنّ بينها وبين المثال ما بين المتناقضين .
11 لكن الأمر الّذي يكون في مقابل كلّ مثال إنّما هو العدم ، والعدم ما كان في غيره وليس له في حدّ ذاته قوام . ومن ثمّ إذا كان الشّرّ في العدم ، فالشّرّ في ما هو معدوم المثال ولا قيام له في ذاته مع ذاته . وإذا كان في النّفس شرّ ، فالعدم فيها هو الشّرّ والرّذيلة / وليس أمرا يرد عليها من الخارج . هذا وإنّ في بعض الأقوال زعما يرمي إلى الهيولى نفيا مطلقا ، وفي بعض آخر تصوّرها موجودة ، لكن غير شرّيرة ؛ فالواجب إذا الّا يلتمس الشّرّ من غير وجهه ، بل أن يجعل في النّفس ويعتبر على أنّه غياب الخير . ولكن إذا كان العدم عدم مثال ما / من شأنه أن يكون حاضرا ، فإذا كان عدم الخير في النّفس ، ولّد الرّذيلة فيها بمقتضى ما هو بتهيئة من حقيقته ، وأصبحت النّفس بعد ذلك لا خير فيها ، ومن ثمّ لا حياة لها بالرّغم من كونها نفسا ، وتمسي إذا هي النّفس لا نفس لها ما دام لا حياة لها . ومن ثمّ ليست نفسا مع أنّها نفس حقّا . بل الواقع أنّها
تاسوعات أفلوطين — صفحة 105
مساهمون: أفلوطين
ص١٠٥