تتنوّع بدورها وفقا لجوهر الأعمال الّتي تتشكّل بها أو لأبعاض النّفس الّتي دبّت إليها ، أو لأنّها قد تكون مثلا في المشاهدة تارة وفي الفعل أو الانفعال تارة أخرى . ولكن إذا / اعتبرت الأمور الغريبة عن النّفس شرّا ، فكيف تردّ إلى طبيعة الشّرّ تلك الّتي وصفناها ، كالمرض والفقر مثلا ؟
أمّا المرض فهو تفريط أو إفراط في أجساد منسبكة في الهيولى لا طاقة لها بالنّظام والتّوازن ؛ وأمّا القبح فهو الهيولى ولم يتحكّم فيها الأصل ، وأمّا الفقر فهو عوز وحرمان نقابل بهما أمورا نحتاج إليها بسبب الهيولى الّتي قرنّا بها وهي الفاقة بالذّات . / فإذا كان ما ذكرنا صوابا فلا ينبغي أن نعتبر أنفسنا أصل الشّرّ بمعنى أنّا على الشّرّ فطرنا ، بل إنّما كان الشّرّ قبل أن نكون ؛ فإنّ الشّرّ الّذي يتحكّم في النّاس ، إنّما يتحكّم فيهم على غير رضى منهم ، بل إنّ ثمّة مخرجا « للتفلّت من الشّرّ » القائم في النّفس وهو مكفول لبعضهم ولكن ليس للجميع . / أما أرباب عالم الحسّ ، فالشّرّ حاصل عندها بحصول الهيولى ، ولكنّها منزّهة عن المساوئ الّتي تلزم الإنسان ؛ كيف لا وإنّ تلك المساويء لا تلزم كلّ إنسان : فإنّ من بين النّاس من استطاع أن يقهرها - على أنّ الأفاضل هم من لم تحصل عندهم - وقد استطاع أن يقهرها - بفضل اللطيفة غير الهيولانيّة الكائنة فيه .
6 فلنبحث الآن في معنى قوله ، « إنّ الشّرّ لن يزول » ، وإنّه لا محالة ثابت ؛ وإن لم يكن « في عالم الآلهة » فهو أبدا « يحوّم في عالم الفساد ، في عالمنا هذا » هل معنى قوله هذا أنّ السّماء بريئة من كلّ شرّ » لأنّها أبدا منضبطة في سيرها ، منتظمة في سعيها ، / فلا ظلم هناك ولا ما سوى ذلك من السّيّئات لأنّ الأجسام السّماويّة لا يظلم بعضها بعضا بل يسعى بعضها مع بعض بانتظام ، وأمّا ما على الأرض فالظّلم والفوضى ؟ فهذا هو « عالم الفساد » وكذلك « عالمنا هذا » . لكن الأمر لا يعني « أنّ واجب الفرار من هنا » يقصد به الأرض ؛ فإنّ « الفرار » في قصده لا يدلّ على الانطلاق من هذه الأرض ، / بل التزام « الصّدق والورع تصحبهما الفطنة » مع البقاء على وجه الأرض . فيكون ما يعنيه بواجب الفرار هو واجب تجنّب الرّذيلة ، على أنّ الشّرّ عنده إنّما هو الرّذيلة وكلّ ما يتولّد عنها . وعندما يجيبه محاوره أنّ الشّرّ كلّ الشّرّ منتف حتما إذا « أقنع النّاس بقوله » ، يردّ ، عليه « أنّ هذا أمر لن يتمّ » / إذ أنّ الشّرّ لا محالة ثابت طالما لم يكن بدّ « من أمر مما في مقابل الخير » . بيد أنّ تلك الرّذيلة الّتي تختصّ بالإنسان كيف يمكن أن تكون في مقابل هذا الخير ؟ إنّها في مقابل الفضيلة ، والفضيلة ليست الخير ، بل وجه من وجوه الخير ، يجعلنا نتغلّب على الهيولى فينا . ثمّ كيف يكون لهذا الخير / أمر يقابله وهو لا كيف له ؟ ولما ذا هذا الحكم المطلق بأنّه إذا وجد أحد المتقابلين ، وجد الآخر لا محالة ؟ ربّما جاز حصول أمر بحصول ما في مقابله ( إذا حصلت الصّحّة مثلا ، جاز حصول المرض ) ، ولكن لا يرد ذلك عن
تاسوعات أفلوطين — صفحة 101
مساهمون: أفلوطين
ص١٠١