طرق الاستدلال ، وينظر في قوّة النّتائج ، كأنّه بهذه القوّة يصل إلى مشاهدة الأمور - تلك الأمور الّتي لم تكن لديه أوّل الأمر ، بل كان خلوّا منها قبل أن يدركها مع أنّه روح أوّلا وآخرا .
أمّا الرّوح هناك فليس كذلك / : إنّ لديه كلّ شيء وهو كلّ شيء ، حاضر في كلّ شيء بحضوره إلى ذاته ؛ كلّ شيء لديه ، لا بمعنى أنّ ما لديه غير ما هو ، فيكون ما لديه شيئا ويكون هو شيئا آخر ، كما إنّه ليس فيه شيء متميّز عن شيء آخر غيره ، بل هو الكلّ في شيء والكلّ منه بجملته في كلّ ناحية ؛ وبعض ذلك الكلّ ليس مشتبها ببعض ، بل كلّ شيء فيه يتميّز عن غيره ولكن بمعنى يختلف عن التّميّز الّذي سبق ذكره ؛ هذا فضلا على أنّ ما له حظّ في كلّ تلك الأمور ، لا يشملها حظّه كلّها معا ، بل ينال منها بقدر ما في طاقته . / فذلك الرّوح هو الفعل الأوّل للخير ، والذّات الأولى ، إذ أنّ الخير يبقى هو هو في ذاته ، على أنّ الروح يفعل متعلّقا به بحيث تكون حياته كأنّها دوران حوله . أمّا النّفس ، وهي في حلبة الرّقص حول الرّوح تدور ، فإنّها تحدّق إليه وتنفذ ببصرها إلى دخليته ، فتشاهد الإله بوساطته . / فهذه هي حياة الآلهة « المطمئنة السّعيدة » ، حيث لا أثر قطّ للشرّ ؛ ولو لم تكن الأعيان لتجاوز هذا الحدّ ، لما كان شرّ قطّ ، بل لكان الخير وحده منبسطا في مقامات ثلاثة : الأوّل والثّاني والثّالث . « فإنّ كلّ شيء حول ملك الأمور كلّها ، وهو أصل كلّ حسن ، / وكلّ شيء له ؛ ثمّ حول الخير في المقام الثّاني أمور المقام الثّاني ، وحول الخير في المقام الثّالث أمور المقام الثّالث » .
3 إذا كان كلّ ذلك الّذي سبق ذكره هو عالم الأيسات وما وراءها ، فليس الشّرّ في عالم الأيسات ولا في ما وراءها ، إذ أنّ كلّ ذلك إنّما هو الحسن بالذّات . بقي إذا أنّ الشّرّ ، ما دام ثابتا ، فإنّما يكون في جانب الليس وكأنّه مثال الليس ممتزج بالأمور الّتي تشارك الليس في ثباته ، أو تلك الّتي بينها وبينه / صلة ما تجعلها في معيّته . وليس الليس هنا الليس مطلقا ، بل ما غير الأيس فقط ، لا بمعنى أنّ بينه وبين الأيس ما بين الأيس من ناحية والحركة والسّكون من الأخرى ، بل بمعنى أنّ بينهما ما بين الأيس وارتسامه أو ما هو أقرب أيضا من هذا الارتسام إلى الليس . فالليس بهذا المعنى هو العالم المحسوس كلّه وحوادثه ، أو هو أيضا شيء من تلك الحوادث أو ما يطرأ عليها ، / أو أصلها أو أحد متمّمات ذلك العالم المحسوس . وننتهي بذلك إلى صورة عن الشّرّ نتمثّله فيها أمرا كانتفاء القياس في مقابل القياس ، وكانتفاء الحدّ في مقابل الحدّ ؛ إنه ما لا شكل له ولا هيئة في مقابل ما يخلع على الشّيء هيئته وشكله ؛ إنّه دائما في حالة العوز / في مقابل ما هو مكتف بذاته ، ودائما في حالة الفوضى لا يستقرّ قطّ على حال ، وعرضة لكلّ انفعال ، وفي نهم أبدا ؛ بل إنّه الفقر بالذّات . وليست هذه الأوصاف أعراضا عنده ، بل هي شيء كأنّه حقيقته ، ومن أيّ جانب من جوانبه اعتبرته ، وجدت ذلك الجانب بارزا تلك
تاسوعات أفلوطين — صفحة 98
مساهمون: أفلوطين
ص٩٨