أمّا النّفس فهي موجّهة نحو الخير بوساطة الرّوح . على أنّ لكلّ من الجوامد جانبا من ذلك الخير ، بقدر ما إنّه من وجه ما واحد وأيس ولأنّه أيضا له حظّ من المثال النّوعيّ . ومثلما أنّ له حظّا من هذه الأمور الثّلاثة ، فله أيضا حظّ من الخير : فهذا الحظّ إذا هو حظّ من الارتسام ، إذ أنّ ما لكلّ من الجوامد حظّ منه إنّما هو ارتسام الأيس وارتسام الواحد ، / كما أنّ المثال النّوعيّ أيضا هو ارتسام . أمّا في النّفس فالحياة أقرب إلى الحقّ ، ولا سيّما في النّفس الأولى الّتي تلي الرّوح مباشرة ، وهي تتّشح بهيئة الخير بوساطة الرّوح . إنّما يتمّ لها الخير عندما توجّه وجهها نحو الرّوح الّذي يلي الخير فورا ، فالخير إذا هو لحياة لمن كان له حياة ، وهو الرّوح لمن كان له حظّ من الرّوح ، ومن توافرت له الحياة مع الرّوح ، أخذ الخير من / وجهين .
3 إذا كانت الحياة خيرا ، فهل يتمّ الخير لكلّ حيّ ؟ كلّا ! بل الحياة في الرّديء حياة كسحاء ، ومثل البصر عند من لا يرى بوضوح ؛ فإنّها حينئذ لا تقوم بعملها على وجه صحيح .
- وإذا كانت الحياة ، على امتزاجها بالشّرّ ، هي الخير بالإضافة إلينا ، فكيف لا يكون الموت شرّا ؟ - ونقول يكون شرّا لمن ؟ فإنّ الشّرّ إذا حدث ، حدث حتما لأحد ، / أمّا المائت الذي زال أو لا يزال موجودا ولكنه محروم من الحياة ، فإنّه يناله الشّرّ بأقلّ ممّا ينال الحجر . وإذا بقيت الحياة وبقيت النّفس بعد الموت ، فالموت خير ولا سيّما أنّ النّفس تصبح حينئذ بلا جسد فتزداد قوّة على القيام بأعمالها ؛ وإذا أصبحت من النّفس الكلّيّة ، فأيّ شرّ يخشى عليها من الموت ما دامت مقيمة هنالك ؟ وبوجه الإجمال كما أنّ كلّ ما لدى الأرباب خير لا شرّ معه ، / فذلك ما يكون في النّفس الّتي حافظت على صفاء حقيقتها . أمّا إذا لم تحافظ على ذلك الصّفاء ، فالشّرّ لها ليس الموت بل الحياة . وحتّى لو كان في منزل الأموات عقاب ، فإنّ الحياة في ذلك المنزل أيضا شرّ للنفس لأنّها لا تكون حياة ليس أكثر .
هذا وإذا كانت الحياة اتّحادا بين النّفس والجسد ، وكان الموت انفصال كلّ منهما عن الآخر ، / فالحياة والموت عند النّفس قابلة لكليهما على السّواء .
- ولكن إذا كانت الحياة صالحة فاضلة فكيف لا يكون الموت شرّا ؟
- نعم إنّ الحياة خير لمن كانت حياته صالحة فاضلة ، ولكنّها ليست خيرا على أنّها جمع بين النّفس والجسد ، بل لأنّها تدفع الشّرّ بوساطة الفضيلة . والموت ، مع ذلك ، خير منها .
وبكلام أصحّ / إنّ الحياة في الجسد شرّ في حدّ ذاتها ؛ وإذا كانت النّفس ثابتة في الخير ، فالفضل في الأمر راجع إلى الفضيلة ، إذ أنّ النّفس حينئذ لا تحيا بحياة المركّب ، بل بحياة تؤدّي بها إلى حال المفارقة والانفصال .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 96
مساهمون: أفلوطين
ص٩٦